الساعة 7:11 مساء.
في عجلة متناهية ومفزعة تركض كالذي ليس له في حياته سوى هدف واحد فقط هو ما ينتظره بعد لحظات بحثا عن قطار ليقلك إلى بلد آخر لتبقى هنالك لساعتين لا أكثر و تعود ادراجك.
تصل في الوقت المناسب لشباك التذاكر لكن يتم اخبارك بأنه لا مجال لشراء تذكرة في هذا اليوم وبالتالي السفر إلى تلك العاصمة غير ممكن ، فكل المقاعد تم حجزها _وهي في الواقع ليست كذلك _ انهيار داخلي رهيب. يتكرم عليك ذلك الموظف فيرشدك إلى مفتاح ، اذهب الى train manager وهناك ربما تحصل على تذكرة ومقعد وقبلهما أمل.
مال مهدور ، وقت ضائع و طاقة تم استنزافها دون منطق ، ربما هذا ما جال في خواطركم ولا ألقي عليكم اي لوم بالطبع لأن من يعرف كل التفاصيل ليس كمن يجهلها .. ثمة بون شاسع.
قبل الاستطراد ، علي اخباركم بأن هذا المسافر قبل 3 ساعات وربما أقل وصل عبر رحلة طيران من مدينة أخرى في بلد أخرى تبعد مسافة مئات الكيلومترات .. 3 دول في غضون ساعات ، شي من الجنون ! لا بأس.
في وسط هذه الأحداث ؛ الظروف و الإرهاق ، وضعت بدني على كرسي القطار المتوجه للعاصمة التي اريدها وينتظرني بها من افتقدته فترة من الزمن.
ما الذي يخطر على بالك في هذه الأثناء؟
ما الذي تقترحه على نفسك أو تفرضه عليها لتقوم به؟
تنام؟ تسترخي؟ تفكر؟ تقرأ كتابا وبضع صفحات؟
جميل جدا ؛ بالنسبة لي اول ما خطر في بالي هو
ليلة السان سيرو .. صوت بداخلي زجرني ثم أطلق
أمره قائلا: هذا الوقت وهذه المشاعر هي لريال مدريد.
سألت نفسي: من أين أبدأ وماذا اكتب ! لم انتظر منها إجابة
وأرسلت سؤالي التالي: هل أحرفي قادرة على وصف ما حدث في مدينة الأناقة و الأزياء؟ .. صمت مطبق في حنايا
الروح بصدى آهات تحثك على بناء جسر من الكلمات عن كيان ليس لهيبته و حضوره حدود و آفق.
أخذت قلمي ، بسطت راحة يدي و بدأت رحلة توثيق مشاعر مختلجة في داخل عاشق لنادي هو كالقمر في سماء كرة القدم.
سقراط عندما كان يُسأل عن ما يعرفه من العلم ، كان يقول: كل ما أعرفه هو أني لا أعرف شيئا. استاذ العلم و المعرفة يقول ذلك ، تواضع؟ ربما .. مثالية؟ ممكن .. حقيقة؟ وارد. يراودني شعور مشابه لهذا الشعور تجاه ريال مدريد ، قضيت جل حياتي في متابعة اخباره والسبر في اغواره ومع ذلك كل ما أفهمه عن ريال مدريد هو انني لا أفهم شيئا.
لا غرابة في ذلك بنظري ، فعظمة هذا النادي أكبر و أشمل من أنه يتم فهمها من قبل مشجع أو حتى عضو بالنادي .. هذا بالنسبة للعشاق ، فكيف هو حال من يبغضه و يكرهه حد العمى؟ الأكيد أنه لا يعلم شيئا ولن يفهم شيئا عن عريق اسمه ريال مدريد.
لماذا تكتب؟ كم انت أحمق !
ألم أخبرك انك لن تفي الريال حقه ..
صاح صوت آخر بداخلي بهذه الكلمات.
دون إذن صاح الصوت المضاد بلطافة فقال:
لا عليك ، لا تقلق .. أكمل ما بدأته فإنني
أثق فيما تكتب وماذا تنسج ، أكمل اكمل.
تحت زخات من المطر ، طقس بارد جدا و مقاعد مجاورة ملتهبة توقف القطار .. بحمد الله وصلنا ؛ في العودة نُتِم بقية ما يجول في الخاطر و يدور في الفكر.
الساعة 22:21
دوري الأبطال أشبه بفتاة فقدت أهلها على حين غرة. وفي لحظة ما اعتنى بها الجميع حتى كبرت و ترعرعت في كنف ارستقراطي رفيع. ازداد حسنها ، فاق جمالها التصور ، تخطى بريقها كل الحدود ، ملكت كل القلوب و أرادها الجميع.
لكن تلك الفتاة لم تعشق سوى رجل واحد يشاركها الطبقة العليا ، ملكي إسباني خلفه حشود من العشاق من كل الطبقات وفي جميع البقاع.
بعد البزوغ صعدت يوما على المنصة التي يراها الجميع ويرغب كل من يراها بفرصة اختطاف من يقف عليها .. عاشقها الأول لم يسمح بذلك ، فقد احتضنها لخمس سنوات متتالية مرت كالبرق.
لاحقا حصل ما حصل فافترق الطرفان بوشاية من الغير ؛ 11 عام من الحرمان لم يطيقها لا الريال و لا محبوبته .. في وسط حرقة وألم يراها ذلك الرجل ظلت تلك الفتاة تتنقل مجبرة من قصر لآخر على أمل أن تعود المياه لمجاريها.
إلى كنف العز و الفخر عادت مرة أخرى إلى مكانها المفضل و موقعها المعتاد في قلب مدريد في وجود جنرال نادر و فريد من نوعه اسمه خينتو .. للمجد بقية.
في اي علاقة تحديدا الحب ، كل طرفين _اي طرفين_ يحلمان دوما ببقاء علاقتهما و استمرارها لأطول فترة ممكنة دون تعكير للصفو ؛ لكن لو علم هؤلاء بأن ذروة تلك العلاقة ستصل إلى أعلى درجاتها عندما تفتر العلاقة في لحظة ما تطول او تقصر ومن ثم تعود لطبيعتها ، لتمنى الكل فتور من وقت لآخر.
هربت مرة أخرى تلك الفاتنة من مدريد لكن في هذه المرة طال غيابها كثيرا ؛ يبدو أنها لم تشتاق ، لم تحن و لم يؤلمها قلبها .. في المقابل فشل ذلك العاشق في ترميم الأمور لمدة 32 عام حتى أتت تلك اللحظة التي انفجر فيها مياتوفيش في بلد الازهار وأحضر منها زهرة التوليب الساحرة لتكون عربون اعتذار لتلك الملهمة.
كونها فاتنة أشبه بطفلة لا تعي حجم تصرفاتها ، قررت أن تقضي عام بأكمله في بلاد الإنجليز رغم عودتها بعد غياب طويل. يبدو انها حنت كثيرا و اخذتها الشفقة على كهل اسكتلندي لطالما طاردها من سنوات ؛ الجميل في هذه المرة انها قطعت وعدا بأنها لن تطيل البقاء هناك و الموعد القادم في بلاد الأفرنجة.
لا يمكن أن نتوقف كثيرا هنا ، فالفتاة وفت بوعدها و عادت في أبهى صورة يتمناها الريال .. ثلاثية في نهائي فاحت منه عبير مجموعة عطور باريسية خالصة.
بعد ذلك بعامين ، تم ضرب موعد جديد .. فالعاشقان قررا أن يضعا بصمة لحبهما في كل مدينة بأوروبا و في كل مرة بطريقة مختلفة .. هامبدن بارك كان شاهدا على جرم أرضي أطلقه فرنسي ساحر بقدمها اليسرى فهز ذلك كل قلوب العشاق بعدما انهارت شبكة الخصوم في لحظة ابهار وصمت .. زيزو يصنع له احداثيات خاصة في خريطة كرة القدم.
للأسف كثرة الدلال يجلب أحيانا كثير من المصاعب خصوصا للفتيات ؛ فبعد فترة زاهية لهذه الفتاة ، اختفت تماما لعقد من الزمن. اضطر معه عاشقها أن يدفع ملايين اليوروهات بحثا عنها ولم ينجح إلا بعد مرور 10 سنوات عبر بحار اندلسي ماهر استطاع أن يعثر عليها في سواحل الجارة البرتغال في وقت سيطر اليأس على كل من كان معه.
في المرة الأخيرة التي عادت فيها ، آسرها منظر رؤية خصم عاشقها في المدينة وهو يلهث خلفها .. ضحكت على سقوطه ، ابتسمت لآلامه و أرادت تكرار ذلك في موعد آخر و موقع آخر يقصده الجميع: ميلانو الإيطالية.
ألم أقل لكم انها ساحرة لعوب !!
احتشد الجميع و تسمر الكل و صلى من له علاقة قائلا: اجعل هذه المرة قاسية عليهما و أجبرها على الذهاب مع من ضحكت عليه و استهزات به ، أبناء المانزانريس.
حُق لهم ذلك ، فلولا فسحة من الأمل لمات كل فقير.
هيهات هيهات أن تجعل الريال يرى بطولته المفضلة أمام عينيه و تنتظر منه أن يفرط بها لغيره .. بالروح ، بالقوة و بالمعاناة حقق الريال بطولته الحادية عشرة أمام مرأى من الجميع. فرح نصف عشاق الكرة ، وحزن النصف الآخر .. لا وسطية مع الريال.
الساعة 11:29
" مستر لا يبقى على القطار إلا أنت ، هل لديك تذكرة للرحلة القادمة " صوت قادم من خلفي ، من يكون؟ انه أحد العاملين. القطار وصل لوجهته ، ذهب كل الركاب بينما أنا تائه غافل في محاولة نسج شيئا ما من زاد مصدره شتات الذهني وفكري.
خاتمة:
على طريقة الست غنى الريال لدوري الأبطال فقال: هذه الدنيا باقةٌ أنت فيها الزهرُ.








رائع انت كروعة ريال مدريد كروعة حلوى الميرنجي
ردحذفكل الود لك.
الله يابو دانة تحركت فيني المشاعر كثيرا وانا اقرأ
ردحذف