الأربعاء، 20 أبريل 2016

لـ كرة القدم سحرها الخاص


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته , طاب يومكم ..


ثمة أمور في الحياة القيام بها ينعش الروح قليلا ويسلي النفس بعض الشي. السر في هذه الأمور هو أنه يمكن مقاومة بعضها أحيانا شيئا فـ شيئا , و جزء أخر تجد نفسك أضعف من أن ترده أو تقاومه ومثال ذلك: إحضار قلم , طرق باب التفكير ومن ثم صياغة مقالة حول موضوع معين. مع مشاغل الحياة التي لا تنقضي وهموم الدنيا التي لا تنتهي , تكون الكتابة كما وصفها الأديب نزار: فعل خلاص وفعل إنتحار. متى ما تخالطت الأفكار والآراء والروئ في مخيلتك , فقط اطلق لنفسك العنان بـ بناء جسر من الكلمات يجسد كل ذلك و سـ تشعر حينها بشعور ممتع ; مختلف , هيا بنا.

سوف أتحدث في هذه المدونة حول  الأسبوع الأوروبي المبهر بقليل من الرأي العقلاني مع شيئا من العاطفة الكروية التي لا غنى عنها.

الأسبوع الأوروبي المبهر
واحد من أفضل الأسابيع التي عاشتها كرة القدم الأوروبية هو الأسبوع المنقضي بـ أيامه الثلاثة. أسبوع عشنا فيه أحداث غزيرة يستحق كل واحد فيها أن يحظى بمدونة خاصة. 8 مباريات جميلة عشنا اجواءها الجميلة على 3 أيام , أخترت الحديث عن أربع منها فقط وأعتذر عن عدم التطرق للأخريات لضيق الوقت وضعف اللياقة الكتابية.


كريستيانو برنابيو

ريال مدريد أعرق الأندية على مر العصور في نظر الكثيرين , فيه من التناقضات ما يبعث على الإستغراب عند المحايد والآلم أحيانا في قلب العاشق. نادي جمهوره لا يرضيه أي شي وبالتالي جمهور متطلب على الدوام , فصول مسرحية هذا الموسم جلها مؤلمة وأحرقت أوراق كثيرة في أروقة النادي , الفريق على شفا حفرة من خروج أوروبي بمذاق العلقم , الأسطورة الفرنسية التي يتفق على حبها كل مدريدي على فوهة مدفع ليس لقوته حدود .. في ظل هذه الظروف استضاف ريال مدريد نادي فولفسبورغ الآلماني وأعطى مسؤولية إكرام وفادته لرجل البرتغال الأول الذي قام بـ دوره على أكمل وجه.

سنتياغو برنابيو استاد عظيم عاش ليالي ساحرة عديدة وتلك الليلة هي إحدى تلك الليالي التي استحلت على مجموعة لا بأس بها من الصفحات فيها مجلد عظيم يحلم به الجميع. في أحلك الظروف وأصعب الأوقات تجلى ريال مدريد بين عشاقه ومحبيه وانتزع بالقوة بطاقة التأهل من خصمه وأهدى جمهوره فرحة في كومة من الآلام , ولـ كارهيه وهم كثر صرخة دويها لم يتوقف بعد.


ربما نختلف حول أفضلية لاعب على الآخر لأن كل واحد منا له وجهة نظره الخاصة , لكن في رائي المتواضع ليس هنالك لاعب كرة قدم يتمتع بـ شخصية وهوية وقدرة على مواجهة كل الضغوط مثل كريستيانو رونالدو. ما يتعرض له هذا البرتغالي أكبر من أن يُوصف في بضع أسطر ومع ذلك في كل مرة تسوء فيها الأمور يظهر ويرفع رأس كل من وثق به و علق عليه الآمال. مما لا شك فيه أنه في ذاكرة المدريدي هنالك مجلد اسمه CR7 وبداخله ملف بعنوان ملحمة فولفسبورغ , تم تخزينه مؤخرا.


معجزة المانزاناريس

من الأشياء الملفتة لـ النظر في السنوات الأخيرة بكرة القدم هو ما يقوم به اتلتيكو مدريد الذي تحول من نادي أقصى طموحه مركز أوروبي إلى منافس شرس وصعب محليا أوروبيا. أصبح يقف على نفس المنصة التي يتواجد بها الغريمين الكبيرين. أسباب متعددة وأشخاص عدة ساهموا في هذا التحول الكبير في تاريخ النادي. أحد أهم هؤلاء هو جيفارا الاتلتي , دييغو بابلو سيموني.

في نشيد هذا الفريق هنالك مقطع يقول: " لانهم يقاتلون كأنهم أخوة دفاعا عن الوانهم ". إن كانت هنالك بذرة زرعها سيموني في لاعبيه فـ هي هذه الجملة بلا شك. الحماس و الرغبة التي يلعب بها لاعب الأتلتي مذهلة , مخيفة في نفس الوقت وتغطي بعض العيوب لدى اللاعب. سيموني رفع من مستوى الفريق تكتيكيا وفنيا بصورة واضحة يراها الجميع لكن الجزء الأهم هو أنه بنى ثقة عظيمة لدى لاعبيه واستطاع إقناعهم أنه يمكنهم تحقيق ما اعتقدوا لعقود أنه مستحيل التحقيق. الآمر الأخر الذي عمل عليه دييغو ونجح فيه هو أنه زرع فكرة فحواها: " الفريق أولا ". فكرة حقيقية تم تطبيقها بنجاح وليس كما تقوله بعض الأندية الكبيرة. الأتلتي مع سيموني تطور كثيرا كثيرا و وصل لدرجة أنه أصبح فريق قدوة ومثال لأندية أسبانية أخرى.


في غياب توريس , خمينيز و سافيتش .. استقبل الأتلتي ضيف ثقيل وخصم معقد حتى وإن مر بفترة صعبة. احتاج الأتلتي لهدف وحيد حتى يتأهل , البرسا دخل المباراة بأفضل صورة ممكنة لكن هدف غريزمان المفاجئ لخبط الأمور وحولها كليا لصالح أصحاب الأرض. ما قام به الجمهور في الكالديرون من تشجيع ودعم متواصل لا يتوقف أمر كان له بالغ الأثر في لاعبي الآتلتي أولا ومن ثم الخصم. قسى أبناء سيموني على البرسا و زادوا من مدة التوهان التي يعيشها الفريق الكتالوني ولا يعلم أحد متى ستنتهي. الأتلتي إلى نصف نهائي الأبطال مرة أخرى مع سيموني ولا يزال للتاريخ بقية معه.

إشبيليون حتى الموت

واحد من أفضل أناشيد الأندية الرياضية في إسبانيا على الأطلاق هو نشيد نادي إشبيليه: ( Sevillista sere hasta la muerte - إشبيليون حتى الموت). نشيد تفوح منه رائحة أناقة وسحر موسيقى الفلامينغو التي يتميز بها الجنوب الإسباني (الأندلس). تحت أنغام هذا النشيد أستضاف النادي المحلي في معقله سانشيز بيزخوان النادي الباسكي الكبير اثليتك بلباو.

 في نظر الأغلبية الأمور ستكون سهلة على الضيوف لانهم انتصروا ذهابا 2-1 , خصمهم يحضر إلى الأندلس وهو يعاني من غيابات كبيرة , لكن الذي حدث هو العكس لأن كرة القدم عودتنا على هكذا مواقف أولا ولأن الخصم لديه روح عظيمة جدا ثانيا. في مباراة تألق بها فالفيردي واستطاع التغلب على إيمري تكتيكيا , تمكن اثليتك من الفوز 2-1 وجر الضيوف لـ أشواط إضافية ومن ثم ركلات ترجيح أبت أن تبكي جمهور كبير ينتظر الفرحة في بطولته المفضلة.

خرج اثليتك من البطولة لكنه خرج مرفوع الرأس وقام بكل ما يلزم القيام به وفي النهاية لابد من تأهل فريق واحد فقط. يحق لـ كل عشاق هذا الفريق أن يفتخروا به وبما قدموه. نقطة مهمة أحب أن أشير لها: بعض الصفقات تحدث في بعض الفرق تاثير إيجابي كبير طوال الموسم , وصفقة راؤول غارسيا التي قام بها فالفيردي هي إحدى تلك الصفقات. غارسيا تحبه أو تكره إلا أنه لاعب يقدم مجهود وافر ويضيف صبغة بدنية مرهقة للخصوم والأهم من ذلك يسجل أهداف حاسمة في أوقات صعبة. من دون شك هي صفقة الموسم لـ النادي الباسكي.


العاطفة جزء لا يتجزأ من كرة القدم. في هذه المباراة تغلبت علي عواطفي وشعرت بحزن كبير تجاه المميز بينات. إذا كان هنالك لاعب حمل الضغوط الأكبر في المواجهة , فـ هو هذا اللاعب: مباراة نصف نهائي وفريقك مهزوم ذهابا على أرضه , تلعب في ملعب كل من فيه يحمل لك الضغينة لانك لاعب سابق في ريال بيتيس ومع كل لمسة للكرة تنطلق عليك الصافرات , وأخيرا مركزك في الفريق حساس ويتمحور حولك لعب الفريق باكمله , يا إلهي على الضغوط. 

رغم كل ذلك بينات قدم أجمل مبارياته في موسمه الرائع حتى الأن كعادته عندما يزور هذا الملعب , قام بكل شي ممكن: تحكم في رتم المباراة , دافع وقاتل بشراسة , صنع عدة كرات أهمها تلك التمريرة من نوع أنت وضميرك التي ارسلها لـ سوسايتا .. بإختصار كان عراب تلك الليلة ونجمها الأول. وعندما أتت ركلات الترجيح , الكل سجل ركلته الخاصة و بينات نجم المباراة أضاعها !

 كرة القدم بها مسلمات لا تتبدل ومنها: نجم المباراة , غالبا يضيع ركلة الجزاء .. بينات في معقل البيزخوان أكد ذلك واثبته , فما أتعسه.


الأنفيلد و كفى

هنالك مثلث سحري يميز الأندية ويضع بعض الفروقات بينها: نشيد تاريخي , ألوان قميص لها قيمتها وشعار ينطق عراقة. ليفربول هو أحد تلك الأندية التي شكل عبر تاريخه العظيم مثلث خاص به يكتمل فيحدث حريقا ولهبا في كل مرة تُفتتح بها أبواب ملعبه الأنفيلد رود. 

بداية أي مباراة في الأنفيلد هي اشبه بعرض عاطفي و مسرحي نرى فيه مجموعة من المشاعر التي لا تجتمع ولا تتفق إلا تحت سقفه. الأنشودة الشهيرة لليفر ( لن تسير وحدك) هي بمثابة شعار صوتي يمتزج مع الشعار المرئي للفريق فـ يبعث الحماس بداخل كل اللاعبين , والرعب والخوف في نفوس الخصوم. وقبل ذلك يخلق للمتابع صورة بديعة قل أن نرى مثيلا لها في كرة القدم.


شعوري نحو الأنفيلد وليفربول شعور متابع محايد يحاول متى ما سنحت له الفرصة أن لا يفوت تلك اللحظات التي تسبق صافرة الحكم لأي مباراة. أعلام بكل الأحجام تتهاوى فوق الرؤوس , جمهور بـ فئات مختلفة يردد كلمات الأنشودة بقلبه قبل فاه و صوت جماعي يردد أنشودة تاريخية تجسد بصدق علاقة المشجعين بهذا النادي.

عقدين من الزمان من دون لقب دوري كانوا أسياده , مرت 11 سنة على أخر لقب أوروبي كبير , مواسم والفريق غائب عن المشهد الأوروبي العظيم , خصوم الفريق حاضرون في معظم الأوقات .. ما أكثر الصدمات التي ارسلها الفريق لـ الجمهور ومع ذلك لم نرى من هذا الأخير سوى دروس في الوفاء وفي كيفية أن تكون مشجع. ليفربول بـ جمهوره وتقاليده من الفصول الجميلة والمثيرة في عالم كرة القدم.


أكثر ما كان يحتاجه ليفربول حتى يعود كما كان هو أن يقوده مدرب بـ شخصية وهيبة الألماني المميز يورغن كلوب. وبكل ثقة أقول إذا لم يعود هذا الفريق الكبير مع كلوب , فـ ربما لن يعود البتة لكن ما رأيناه بعد مرور أشهر يوحي أن الفريق مقبل أوقات سعيدة ولحظات انتظرها الجمهور لفترة طويلة , الأمور الأن بيد إدارة الفريق.

في ليلة استقبل فيها ليفربول على ملعبه فريق يشبهه في أمور كثيرة , شاهدنا مباراة أعتبرها الاغلب مباراة الموسم. تقدم بروسيا بثنائية , قلص الليفر الفارق , عاد الضيوف و سعوا الفارق لكن الليفر أبى إلا أن يرسم الفرحة على محيا عشاقه وقلب النتيجة لتصبح 4-3 .. ليلة للتاريخ.

في الوقت الذي يرحل فيه كلوب عن الفريق , سيتذكر الجمهور مباريات عدة ويبكي عليها ربما .. من بينها قطعا وفي رأس قائمتها هذه المباراة.

ليفربول: لن تسير وحدك أبدا.