الثلاثاء، 8 سبتمبر 2015

كتاب رافا: الفصل السابع


موسم 2004 -2005 
الطريق نحو إسطنبول

أهم أمر يجب أن يتحلى بها المدرب هو الثقة. اللاعبين يجب أن يكون لديهم إيمان كامل في مدربهم , يجب أن يؤمنوا بأن مدربهم لديه جواب لأي سؤال يخطر بـ بالهم. يجب أن يتحَلوا بـ كامل الثقة في اللحظات الصعبة حتى يعرفوا الطريق.
هي معادلة طويلة , أنتهت بـ عودة عظيمة وسط ظروف لا تُنسى. بين الشوطين في إسطنبول , اللاعبين ملتفون من حولي و روؤسهم على الأرض .. تحطم عالمهم بـ الكامل.
 عملي بدأ قبل 10 أشهر عندما انتقلت إلى ليفربول قادما من فالنسيا. وقت الغداء في أحد أيام شهر أغسطس الحار , بعدما أنهينا لـ التو التمرين في يوم مُشِع قبل السفر إلى لندن لـ مواجهة توتنهام في اول مباراة في البريميرليغ منذ وصولي إلى هنا.

 جمعت اللاعبين في داخل احد شباك (مرمى) ملعب ميلوود. " OK " قلتها لـ اللاعبين ولا زلت بعيدا عن نطقها بـ الشكل الصحيح : " سوف نركض من هنا إلى المرمى الآخر بـ 80% من سرعتنا , وسنفعل ذلك 10 مرات".

أوضحت لـ اللاعبين المسار الذي أود منهم أن يركضوا فيه , الإنطلاق بـ طول الملعب ومن ثم تكرار ذلك مع عرضه أيضا . اللاعبين نظروا إلي والحيرة تملئ وجوههم , ليس هنالك سبب منطقي في نظرهم يدعوني لـ أطلب منهم فعل مثل هذا قبل اقل من 24 ساعة عن المباراة.

جوسمي اللاعب الذي وقعنا معه حديثا قادما من ملقا , هو فقط من تجرأ للحديث ونطق متسائلا بالإسبانية : " مهلا , 10 مرات ؟". و زاد : " هذا كثيرٌ جداً" . ردي كان بسيطا لـ الغاية : " يجبُ عليك فعلُ ذلك " .. كامل التشكيل وقبل يوم واحد من المباراة تجهزوا لـ ركض كيلومتر و ربما أكثر لأن المدرب هو من طلب ذلك , فقط لا أكثر.

" تعالوا .. تعالوا " .. صرخت عليهم قبل أن يبتعدوا عني وسألتهم : " ماذا تفعلون ؟". ما طلبته منا حرفيا , هكذا كان ردهم. الآن اللاعبين محتارون بشكل أكبر من السابق. 

" بـ التأكيد عليكم تطبيق ما أطلبه , لكن عليكم أن تفكروا فيه أيضا. أود أن استمع إلى أكثر من شخص يسأل : لماذا أطلبُ منكم فعل أمراً ما , مهما يكون هذا الأمر. في بعض الأحيان , مثل الآن سأخبركم أن هذا مجرد إختبار , وفي أحيان أخرى سوف أشرح لكم لماذا أنا أطلب منكم ذلك . إذا كنت تفكر , حتما سـ تسأل: لماذا؟. عندما تسألني لماذا أطلب منكم فعل هذا الأمر , سوف تفهم أنني أفكر في هذا الشي أو ذاك. وإذا فهمت بالضبط مـ الذي أعنيه , سوف تثق في بشكل أكبر". 

هذه هي فلسفتي في التدريب و الإدارة . بعض المدربين يُفضل أن يكون ديكتاتوريا في أسلوبه , يطلُبُ من لاعبيه فعل ما يريده حرفيا دون شرح. مع البعض , ستنجح هذه الطريقة لأن اللاعبين في العادة يفعلون ما يُطلب منهم. بالنسبة لي , إذا كان مُمكنا من الأفضل أن تشرح لـ اللاعبين لماذا يجبُ عليهم فعل هذا الأمر أو ذاك.

هذا الفهم يُساعد على تعزيز الفريق من عدة نواحي , والأكثرُ أهمية يضعُ حداً لـ إستياء اللاعبين. هذا يعني عندما تشرح خطة لعب مباراة معينة , كل شخص يعرف بالضبط ما الذي سوف يُطلب منه , تأديته. هذا يعني عندما تبدأ التدوير في التشكيل وهذا موضع خلاف في إنجلترا ,اللاعبين يفهمون بسرعة ما الذي تحاول القيام به.

النقطة الأهم هي عندما يشعر اللاعبين في غرف الملابس في مباراة ما أن كل شي ضاع كما حدث في استاد اتاتورك , سوف يثقون في كل ما تتفوه به. في هذه المرحلة , تعلَم اللاعبين ان كل شي نفعله , فإننا نفعله لـ سبب ما . هم يعلمون انه لديك فكره , هم يعلمون أنك تمتلك خطة.

هذه الفلسفة لا تختص بـ ملاعب التدريب فقط. في إجتماعاتي الأولية مع الفريق , كنت أطرح بعض المشاكل على اللاعبين واطلب منهم محاولة الوصول إلى حلول لهذه المشاكل. أسأل الظهير : " كيف يمكنك التعامل مع هذه الحالة؟ .. مثلا جناح يحاول الإختراق إلى الأمام . هل تسمح للكرة بأن تصل إلى الداخل أو تخرج و تقفل المساحة على اللاعب مبكرا؟ . إذا فضلت الخيار الثاني , ما الذي يجب على قلبي الدفاع القيام به لتغطية الظهير؟". كل حل يطرحه اللاعبون يأتي بـ مشكلة أخرى . ما الذي يفعله لاعب الوسط الدفاعي؟ هل عليه أن يسقط بين قلبي الدفاع أو يبقى واقفا في الخارج؟ .

بـ هذه الطريقة أنت تقودهم إلى الحلول , لكن عليهم أن يفهموا المعادلة بـ الكامل لـ يدركوا لماذا نلعب بهذه الطريقة و لماذا يُطلب منهم فعل اشياء محددة.

فلسفتي هذه يبدو لي أنها مختلفة تماما عن ما اعتاد عليه لاعبي ليفربول لكنهم استجابوا لـ أسلوبي بـ طريقة رائعة وحسنة. منذ البداية , سلوكهم كان مُذهلاً لـ الغاية , هم يعملون بجد وإجتهاد , يتمرنون بشكل جيد و جاهزين لإستقبال اي أفكار جديدة .. بعد كل هذا لم أكن مُستغرباً من تقبُل اللاعبين لـ طلبي لهم بالركض حول الملعب طولا و عرضا قبل يوم من المباراة , فقط لأنني طلبتُ منهم ذلك.

هم يسيرون في المنهاج الصحيح , لكن لم أكن متأكداً من قدراتهم. أعلم أنني أتيت إلى هنا بـ غرض إعادة البناء. ريكي باري المدير التنفيذي أخبرني بـ ذلك في أول أجتماع جرى بيني و بينه لـ مناقشة العمل. التشكيل بحاجة لـ تغيير كامل , هو اعترف لي بذلك و رغب في زج الأسماء الشابة في الفريق. 

عندما كنت مدربا لـ فالنسيا لعبت ضد ليفربول في دوري الأبطال وفي مباراة ودية لذلك امتلك بعض التقارير و الملاحظات. مع طاقمي التدريب : المساعد باكو إيسترين , مساعد الفريق الأول باكو هيريرا , ومدرب الحراس خوسيه مانويل اوتشورينيا .. أعلم تقريبا ما الذي علي توقعه.

في أول حصصي التدريبية , صُدِمت بعض الشي. تسمع عن أمر ما ولكنك ترى خلافه  على أرض الواقع. قرابة الدرزن من اللاعبين الكبار في الفريق لا يزالون بعيدين عن أول تمرين في الـ pre -season بعدما تم منحهم إجازة إضافية بعد البطولة الأوروبية في الصيف.

ومع ذلك , ما رأيناه في ميلوود بعدما أجرينا تمارين محترمة في الإستحواذ كان ملفتا لـ النظر. يبدو انه تشكيل أقل من الذي تركناه خلفنا في إسبانيا . الفريق الذي كان يحوي بابلو إيمار , روبرتو ايالا , روبن باراخا و مجموعة من اللاعبين الدوليين. بإمكان اي شخص من الخارج و بسهولة أن يفصل في هذا الفريق . بمجرد أن ترى الأمور من الداخل فـ ستكون قادرا على معرفة حجم العمل الذي ينتظرنا.


أقل ما كان يلزمُنا هو التواصل مع لاعبي الفريق الأول لـ المضي قُدما. كُنت هناك حيث يقيم المنتخب الإنجليزي {في البرتغال - يورو 2004 } لـ الإجتماع مع لاعبي لـيفربول المحليين ( Home-grown ) .. ستيف جيرارد , جيمي كارغر و مايكل أوين . قبل ذلك طلبت من سامي لي أن يتحدث مع سيفين غوران اريكسون مدرب المنتخب و يأخذ منه الأذن للحديث مع اللاعبين في فندق المنتخب خارج لشبونه في أواخر شهر يونيو , بـ سعادة اريكسون سمح لي بذلك .
سافرت بشكل غريب في نفس الطائرة التي سافرت عليها والدة جيرارد ( جيولي). حاولت أن اسألها عن صحة الأخبار والشائعات التي تتحدث عن رغبة ستيفن في الرحيل , وفي نفس الوقت أُخبِرها بـ خططي المستقبلية في ليفربول : أتيتُ هنا لـ حصد الألقاب وجعلهم فريق أفضل. لـ الآسف لغتي الإنجليزية في ذلك الوقت لم تساعدني بحكم أنني لا ازال في طور تعلمها.
وقفت امام ستيفن , كارا و أوين .. ومعي جدول لـ إجتماعنا , كنتُ متجهزاً جدا.
أوضحتُ لهم كيف أرى ان كل منهم لائق جدا في الفريق (تكتيكياً) حسب الطريقة التي أتبعها , كيف يكون النظام الذي سوف أتبعه , و رؤيتي حول الفريق. تحدثت معهم عن المراكز التي اعتقد أنها تناسبهم و حاولت ان أشرح لهم أنني أعلم جيدا كيف أُخرِج منهم أفضل ما لديهم و أعلم بالضبط ما الذي أُحاول القيام به.
أخبرتهم أننا سوف نوقع مع لاعبين جدد , هم بدورهم أتفقوا معي بأن هنالك نقص في الجودة لدى الفريق.
" التمارين بحاجة لأن تكون قوية و شديدة " .. أخبروني بذلك. نحن نحتاج لاعبين يمتلكون عقلية الفوز , ويُتوقع منهم التحدي لتحقيق الألقاب , ونريد ان نختار لاعبينا بـ عمق : لاعبين يقاتلون على اي مركز. اللاعبين يرتاحون إذا كانوا لا يلعبون لكن هذا غير كافي نحن نريد خلق منافسة على الدكة في كل موقع.
الأمور يبدو أنها سارت على نحو جميل , كانوا منبهرين بـ تفاصيل التقديم و أظهروا إعجابهم في شرحي لـ أفكاري. كانوا مستمتعين بـ إحتمالية حدوث تغيرات. ستيفن أخبرني أنه سيبقى , برهن لاحقا انه قرار موفق. على الجانب الآخر مايكل , يبدو اننا غير قادرين على إقناعه بـ البقاء.
عندما التحقت بـ ليفربول , علمت أنه هنالك صعوبات في عقد مايكل والنادي حاول الإنتهاء من عقد جديد قبل وصولي. لم يصل الطرفان إلى نقطة إلتقاء وتم تسريب ذلك إلى الخارج. مايكل أخبرني بكل شئ حالما عاد هو و زملاءه بعد الراحة الإضافية التي حصلوا عليها بعد اليورو.
أستدعيت مايكل في مكتبي و سألته هل ينوي الرحيل , أخبرني أنه فعلا يريد ذلك. في تلك اللحظة كل ما كان بوسعي فعله هو محاولة الحصول على أكبر مبلغ ممكن من جراء بيعه. عقده ينتهي في نهاية الموسم , لذلك لم نكن في موقع قوة في هذه المفاوضات.
وصلت الأمور إلى القمة في أول مباراة رسمية لي مع الفريق .. عدنا من رحلة فترة الإعداد شمال أمريكا وفي ثاني اسابيع أغسطس كنا في النمسا لـ التجهيزات قبل مواجهة نادي غراتزر في الدور الثالث من دوري الأبطال. الخطوة الأولى في الطريق إلى إسطنبول كانت نهاية رحلة مايكل أوين كلاعب ليفربولي.
قابلنا مُمثلي ريال مدريد قبل المباراة , وأخبرونا أنهم مُهتمين بـ التوقيع معه لكنهم ليسوا في عجلة من أمرهم. كانوا يريدون الإنتظار حتى يناير عندما يتمكنون من توقيع موافقة مبدئية معه ومن ثم الحصول عليه في يونيو القادم بلا مقابل. أصدقائي في مدريد _المكان الذي عملت فيه لفترة طويلة_ أكدوا لي أن الريال لا يقصد الخِداع.  أخبرت ريكي باري : ليس لدينا أي خيار , موقفنا ضعيف جدا .. لكن علينا فعل الافضل للنادي , يجب أن نبيعه الآن.
كان حتميا أن نحاول الإبقاء على السعر عاليا قدر الإمكان لذلك بعد ساعات من إجتماعنا مع الريال , قررت وضع مايكل أوين على الدكة في مباراتنا أمام غراتزر. إذا لعب , العقد سوف يُقتل في المهد: ربما يكون الهدف من التعاقد معه هو الكأس الأوروبية , وهذا يعني ان الريال سيبتعد تماما لو شارك . وإذا ابعدته عن القائمة كليا سيعرفون أننا نرغب في بيعه , وحينها سوف يهبط سعره.
لحسن الحظ لم نكن بحاجه لـ مايكل في تلك الليله . ميلان باروس و جابريل سيسيه اللذان تم التوقيع معها من قبل سلفي جيرارد هولييه , لعبا كمهاجمين و جيرارد سجل هدفين و اعطانا الأقدمية والفوز 2-0 . نتيجة ممتازة في سبيل تأهلنا إلى دور المجموعات.
بعد أربعة أيام تم تقديم مايكل أوين في البرنابيو كلاعب مدريدي. فعلنا كل ما بوسعنا للحصول على أفضل عقد ممكن لـ ليفربول , أتفقنا على مبلغ 8 مليون باوند و طلبت لاعب جناح شاب (خونفران) _ يلعب في اتلتيكو مدريد حاليا_ كـ جزء من الصفقة.
خونفران كان لاعبا مستقبله يُبشر بالخير , جودته كانت واضحه لكن الريال لم يسمح بـ خروجه. سألت زملائي في النادي عن لاعب جناح آخر يُمكن التفكير فيه , ونصحوني بـ انتونيو نونيز الذي لعب 11 مرة في الموسم السابق. لديه سرعة و أخبروني أنه مميز بـ الرأس .. طلبناه كـ جزء من العقد.
نونيز لم يكن محظوظا معنا , أُصيب في أول حصة تدريبية حظي بها هنا. احتاج بعدها 3 أشهر لـ يعود لكنه أبدا لم يظهر ما توقعناه منه. الجميل ان الأسماء الاخرى التي وقعنا معه كانت أفضل.
أحضرنا تشابي الونسو من ريال سوسيداد , لاعب شاب أمامه مستقبل هائل تم رفضه من قبل ريال مدريد لانه ( بطئ جداً ) . القيمة تم الإتفاق أن تكون ضخمة في قضية التحفيزات : هذا يعني الفوز أكثر , سوسيداد يستفيد بشكل أكبر. أستوفينا كل لحظة قضاها تشابي معنا في ليفربول خلال 5 سنوات قبل رحيله إلى ريال مدريد.

أعرف لويس غارسيا منذ أيامي في تنيريفي , أخذته من برشلونه على سبيل الإعارة . لويس كان يملك شيئا مختلفا : ذكاء المباريات , هو موهبة خاصة ويمتلك رؤية لا يمتلكها اللاعب المتوسط .. يستطيع اللعب في ثلاث أو أربع مراكز بالرغم من ذلك هو أحيانا يقدم مباريات سيئة و في أحيان أخرى لاعب لا يمكن إيقافه. كنا نعلم أن شرطه الجزائي في برشلونه 6 مليون باوند .. مثل شابي , لويس اراد القدوم و بحث عن البطولات.

توقيعنا الأخير وجد الحياة صعبة بعض الشئ . شريكة جوسمي للتو رُزقت بطفل , جوسمي وجد صعوبة في تعلم اللغة و الإستقرار في إنجلترا. نحن كنا نبحث عن مدافع يعمل بجد , جيد في الهواء و وقوي في تدخلاته لكن للآسف البريميرليغ لم يناسب جوسمي.

أنا ايضا أخذت وقت طويل لـ التعود . هنالك الكثير لتتعلمه عندما تبدأ في دوري جديد , حتى و إن كنت مدرب. الحكام تحديدا يختلفون : اثاروا استغرابي باستمرار في موسمي الاول مما شكل لي تحدي جديد خصوصا على الهواء. بـ النسبة لي أنا , مساعديني و اللاعبين الأسبان , كل واحد منا كان مخطئ على الدوام.

على دكة البدلاء , الأمر لم يختلف . أتذكر في لقائي الأول على أرضية الإنفيلد ضد سيتي كيفن كيغان , كسِبنا المباراة 2-1 . دكة الخصم على يمين دكة أهل الدار . في كل مرة يقف فيها كيفن لـ يصيح على فريقه , لا اتمكن من رؤية أي شي . الأمر كذلك عندما اقف أنا , سوف تُحجب الرؤية عن كيفن. الدكتين قريبة جدا من بعض لذلك بدأت في الحديث بـ الإسبانية مع أحد المتحدثين بالاسبانية من الاعبين لـ نقل ما اريده , وإلا سيعرف الفريق الآخر ما الذي تفعله و يتصرف حالا. لم أحظى بـ مثل هذه الأشياء في اسبانيا.

الإستقرار بعيدا عن الملعب , أمر إيجابي وفيه سهولة بعض الشي. وجدنا منزل في شبه جزيرة ( Wirral ) . مونتسي بدأت في تعلم اللغة الإنجليزية ودراسة تاريخ المدينة , في المساء تمرر لي ما الذي تعلمته و تخبرني بـ أشياء شعرت انه يجب علي ان اتعلمها.

كان من المفترض علي انا ايضا ان اتعلم الإنجليزية لكن بعد درسين (حصتين) اصبح الأمر واضحا : ليس لدي وقت كافي للحاق بهذه الدروس أو تغطيتها. كنا نتحرك ببطء شديد و أنا بحاجة لـ تعلم اللغة حتى اتمكن من الحديث مع اللاعبين في أسرع وقت. أخبرت مدرسي (نصحني به النادي) بأنه من الأفضل أن أتعلم بنفسي عن طريق قراءة الصحف والإستماع إلى البيتلز و مشاهدة التلفاز مع وجود ترجمة و شرح فرعي , بهذه الطريقة أكون تعرفت على الكلمات بشكل أسرع.

كان هنالك عمل إضافي كبير يستحيل معه أن تُظهر تركيزك في غير كرة القدم. دوما أكون متواجداً في ميلوود الساعة 08:30 صباحا إذا لم يؤثر علي الإزدحام المروري , ولا أترك مكتبي إلَا الساعه الساعة السابعة أو الثامنة مساءا. كانت أيام طويلة حاولنا فيها ترتيب و تجهيز العروض , التحدث حول اللاعبين , إجراء التدريبات , رسم الجداول و مشاهدة خصوم المباريات القادمة. كان هنالك الكثير لـ نتعلمه.

كنا نعلم وبإدراك تام أنه يتوجب علينا نفل الإفكار إلى اللاعبين بـ شكل سريع. قمنا بعقد إجتماع تمهيدي بعد وصولنا مباشرة مع كامل التشكيل و تحدثنا في نفس النقاط التي تم الحديث عنها بيني و بين ستيفن , كارا وأوين. شرحنا لهم كيف هي رؤيتنا حول تطوير الفريق , مالذي نريد أن نفعله , و كيف هي ملاءمة كل لاعب لـ خططنا.

المسالة تبدو أكبر من مجرد حديث عام لـ مرة واحدة مع كامل التشكيل ومن ثم الإنخراط في العمل . حتى تبني كبري الثقة بينك وبين اللاعبين و تؤسس علاقات محترمة معهم , أنت بحاجة لإجراء إجتماعات فردية مع قادة الفريق و لاعبي الخبرة حتى تعرف كيف يمكن أن يتطور الفريق بصورة أو أخرى و ماهو شعورهم حول إعادة النادي كما كان : فريق بطولات ناجح.

استدعيتُ سامي هيبيا , ديتمار هامان , ستيف وكارا واللاعبين الجدد أيضا وتحدثنا في صورة بعيدة عن الرسميات في مكتبي , في الدرج والممرات , على أرضية الملعب , و في المطعم . في كل مرة تحين فيها الفرصة , كنا نناقش بعض الاشياء مع اللاعبين لنعرف ما هو شعورهم وإنطباعهم حول سير الفريق.

في ذلك الوقت كانت مباراتنا مع غراتزر النمساوي في اياب تصفيات الدور الثالث والتي انتهت بخسارتنا 1/0 لكن لم تحرمنا من تأكيد مقعدنا في دور المجموعات. عقدنا اجتماعات عديدة لـ التاكد من الكل يعلم جيدأ في اي طريق يسير الفريق وإلى ايُ إتجاه و كيف خططنا لـ الوصول إلى هذه المرحلة.

الكل كان يفقز حول دكة الإحتياط من دون تصديق لما يحدُث. أمام الكوب , اللاعبين يفقزون فرحا و يجتمعون خلف جيرارد .. هنالك ثمة أشياء قليل من اللاعبين أمثاله قادرين على فعلها. الجماهير كذلك ترقص و تعانق بعضها , الإزعاج يصم الآذان والجو تكهرب تماما.

عند عودتي إلى الدكة , أحد المضيفين ممن يرتدون القميص البرتغالي أمسكني و عانقني عناق حار للغاية. لم أقفز , كل ما أفكر فيه هو أنه لا زال هنالك 4 دقائق لـ تُلعب ونحن بحاجة لفعل اللازم.

بعض الناس يُعلق فيقول : "رافا لا يُظهر عواطفه و لا يُمتع نفسه عندما يُسجل الهدف". الأمر ليس كذلك البتة , بل العكس تماما. أنا دوما فخور بـ ليالي مثل هذه , بإمكانك الشعور بـ مدى الفرحة وماذا تعني عند الكل .. حينها ستُحدث هزة بداخلك.

تصرفاتي هذه لا تعدو كونها فرصة لـ تمرير رسالة مهمة في هذه الثواني المعدودة. خلال المباراة من الصعب إيصال بعض الأشياء الى اللاعبين خصوصا اولئك الذين يتموقعون في الجهة الأخرى من الملعب , هم لن يسمعوك بوضوح ولا يمكنك نداءهم وسط هذه الأجواء و الناس من حولك. عندما يُسجل الهدف ,أحاول البحث عن لاعب في وسط الملعب لـ نشر كلماتي . تلك الليلة , أردت ان يعلموا أن عليهم التحلي بـ الهدوء . يتبقى فقط 4 دقائق ليُحافظوا على النتيجة.

كنا قريبين من حافة الخروج في ذلك الموسم و هذا مثال كبير على ذلك. كنا قريبين من الخروج قبل الوصول إلى دور المجموعات و الإستيقاظ صباح اليوم التالي على حقيقة مشاركة الفريق في اليوربا ليغ .. لا أحد في النادي يُريد ذلك. إذا استطعنا التماسك في الأربع دقائق المتبقية , سوف نتجنب هذا المصير.

كانت مجموعتنا صعبة في تلك النسخة . أوقعتنا القرعة مع موناكو أحد طرفي النهائي السابق , دبيورتيفو لاكرونا من اسبانيا .. فريق جميل أعرفه جيدا , واولمبياكوس بطل اليونان الطرف الدائم في البطولة. بالرغم من أن اسم ليفربول يُعتبر مشهور في القارة , لم أُفكر ولو لـ لحظة في ان خصومنا سينتابهم شي من الخوف عند مواجهتنا. فريقنا يدخل المسابقة بـ مدرب جديد , لاعبين جدد ولم يتواجد حتى في النسخة السابقة. لم نُنشئ قوة بعد .. ليس بعد.

بدأنا المجموعات بشكل جيد , هزمنا موناكو الذي يملك مايكون , إيفرا و إديبايور 2-0 في الإنفيلد .. شكرا لـ غابريل سيسيه و ميلان باروش لكننا خسرنا المباراة الثانية خارج الديار أمام اولمبياكوس. جماهيرهم كانوا مزعجين جدا .. عاطفين للغاية. كانت ليلة صعبى على اللاعبين , الخصم سجل هدف من ضربة راسيه عن طريق كرة حرة. هاري كيويل عادل النتيجة في الشوط الثاني لكن تم إلغاء هدفه بداعي التسلل.

المباراة الثالثة أحضرت ديبورتيفو لاكرونا إلى الإنفيلد , ذلك الخصم كان ممتعا للغاية وعاش مواسما ناجحة في التشامبيونزليغ في السنوات الأخيرة. كانوا يملكون خوان كارلوس فاليرون اللاعب الرائع , إضافة إلى خبرة فران , ماورو سيلفا و فيكتور الجناح الذي حاولنا التعاقد معه لاحقا في ليفربول. ليس هنالك ما يدعو للغرابة في اننا تعادلنا معهم سلبيا في تلك الليلة , لنحصد فقط 4 نقاط بعد ثلاث مباريات.

الرحلة إلى لاكرونا في نوفمبر كانت فرصة مونتسي لـ العودة إلى (غاليسيا) المنطقة الاسبانية التي عاشت و ترعرعت فيها. هذه المنطقة مشهورة بـ طعامها البحري , في الليلة التي سبقت مباراتنا .. أخبرتنا مونتسي بانه علينا تذوق اكلة محلية أسمها بالإسبانية ( pulpo a la gallag) وتعني  أخطبوط مقلي بـ الفلفل , الملح و زيت الزيتون (بدقة). كانت رائعة حقا . الاسبان : أوتشو , باكو ايسترين و باكو هييرا من المدربين .. و اللاعبين لويس  ,جوسمي و تشابي اظهروا تقديرهم وامتنانهم بصوت عالي. البعض من الأعضاء الآخرين في التشكيل لم يوافقوهم : كارا و جون ريزا النرويجي تحديدا أظهرا اشمئزاز غريب. لا اعتقد أنهما مُعجبان بـ المطبخ الغاليسي. هذا لم يؤثر على مستواهما في الليلة التالية.

الريازور أستاد إنجليزي ذو مقاعد شاهقة حول الملعب و صوت الرياح القادمه من المحيط مسموعة بداخله .. لكننا قدمنا اداء ممتاز فيه.

عرفنا من المباراة الأولى كم هو صعب جدا ايقاف الديبور. نحتاج أن نكثف من دفاعنا لأن تحركاتهم ذكية و هجومهم المكون من البرتو لوكي , والتر باندياني و دييغو تريستان خطير جدا. فاليرون و فران يتحركان بين الخطوط و يتبادلان المراكز كـ محاولة في لعب كرات بينية. أدينا المهمة على أكمل وجه.

كنا من دون ستيفن و تشابي اللذان ابتعدا في آخر دقيقة بسبب إصابة في ربلة الساق , و أضطررنا لإقحام ايغور بيسكان لتشكيل خط الوسط والذي لعِب بـ طاقة ورغبة عاليتين.

الاداء كان مُذهلا , كنا عنيدين ونعرف ماذا نريد تحديدا. ميلان باروش الذي كان وحيدا في الأمام , أجبر خورخي اندرادي على تسجيل هدف في مرماه بعد 14 دقيقة. كان بإمكاننا تسجيل المزيد من الأهداف , ذلك المستوى كان أفضل ما رأيته من الليفر منذ وصولي.

ذلك الفوز وضعنا في مقدمة الترتيب في المجموعة مشاركةً مع خصمنا القادم موناكو. التأهل لم يتأكد بعد , وبالرغم من ذلك لم يُتوقع منا السقوط.

استاد لويس الثاني _أرضية ملعب موناكو_ ليس بالمكان الممتع لأن تلعب فوقه كرة قدم. ملعب صغير جدا بسعة جماهيرية 15 الف. الأرضية كانت وعرة وبها مطبات كثيرة لأن مواقف السيارات تقع تحت الملعب.

اللعب يصبح أقل متعة عندما يخرج أحد لاعبيك (لويس غارسيا) بعد أربع دقائق فقط محمولا بسبب الإصابة. لاحقا خسرنا بديله (جوسمي) بعدما تصادم هو إيفرا بالرأس. خروج المدافع الإسباني لأنه كان بحاجة لعدة غرز حتى يتوقف النزيف.

في ذلك الوقت كنا متأخرين بهدف سجله خافيير سافيولا. أمنيتنا في تأمين التاهل للدور القادم بدأت تتلاشى وتتبعد شيئا فـ شيئا. ما أثار حنق الجميع هو ان هدف الأرجنتيني أتى بلمسة يد صريحة و واضحة قبل ان يتجاوز سافيولا , كيركلاند. الحكم الدانماركي كلاوز لارسون أخبر اللأعبين بأنه شاهد لمسة اليد. هذا القرار الغامض , وضعنا في وضعية صعبة للغاية. علينا هزيمة اولمبياكوس في الأنفيلد بفارق هدفين حتى نضمن التاهل ونتجنب الخروج قبل الكريسميس.

بالنسبة لي , تلك الليلة التي جمعتنا بـ أولمبياكوس كانت أولى الليالي العظيمة التي عشتها في ليفربول. اعرف كل الشغف عند الجماهير والجو الذي بإمكانهم صنعه لكن شيئا مثل هذا عندما تكون شاهدا عليه يختلف تماما عندما تسمع عنه. لست متأكدا لماذا يجب أن يكون كذلك , لكن التشامبيونزليغ دوما يُخرج الأفضل لدى جماهيرك. كان انفيلد في أقوى صورة.

الأنفيلد مختلف تماما في الليل. الصوت يتغير , الإزعاج صارخ و الصوت ينزل بإنسيابية من أعلى الكوب إلى أرضية الملعب. كل هذا يأخذ نَفَسك بعيدا دون أن تشعر. ربما لأن الجماهير كان عليهم الإنتظار طوال اليوم من أجل المباراة. ربما لأن المناسبة في أيام الأسبوع , تحديدا الأدوار الإقصائية.عندما يكون الوقت ضيق جدا بين القرعة والمباراة الأولى , الجماهير تُفضل البقاء في المدينة.

بالنسبة لي جماهير الليالي الأوروبية دوما يكونون ( Liverpudlian ). تلك السنة ربما ببساطة كان من الممتع عند العشاق رؤية ليفربول في هذه المسابقة التي تعني لهم الشئ الكثير.

في غرفة الملابس _ كان يتسلل لنا من خلف الجدران ما يدور في الجو الخارجي من أصوات يتضح فيها الضغط الرهيب_ كنا نحاول جاهدين أن نبقئ هادئين. نعرف جيدا ما الذي علينا فعله.

بين الشوطين , متأخرين بهدف اتى من غلطة ثقبت جدارنا وسمحت لـ ريفالدو تسجيل هدف من كرة حرة خلف كيركلاند وفي شباك الكوب. نحن بحاجة لـ ثلاثة أهداف في 45 دقيقة. فكرة عندما ناقشناها لاحقا كانت مألوفة لدينا في ذلك الموسم.

" نريد تسجيل هدف وبعدها سنرى ماذا سيحدث" أخبرت اللاعبين وهم جالسين و روحهم منخفضة في غرفة الملابس. " علينا أن نسترخي. إذا كنا نلعب بقلق , سوف نخسر تحكمنا بـ المباراة. كونوا هادئين وألعبوا بسرعه لكن لا تستعجلون , نملك الوقت الكافي".

تجاوزت ذلك لـ الحديث عن التغيرات التكتيكية , كان هنالك فراغ خارج الصندوق لذلك كان علينا النظر نحو مهاجمنا ميلان باروش ومن ثم محاولة الحصول على الكرة الثانية. كان علينا اللعب من خلال العمق ومن ثم تحويل الكرة نحو الإطراف مع الحذر من فقدان الإستحواذ. أولمبياكوس سيلعب على المرتدات ومع موهبة و رؤية ريفالدو سنكون في خطر. أردت أن نلعب العرضيات مبركا لإختبار دفاعهم ونبقي على اظهرتنا في خط متقدم.

أقصى ما كنت أريده , هو ان نبقى هادئين. في بعض الأوقات عندما تحافظ على صفاء الذهن , تكون لديك القدرة الكاملة على الإستحواذ. تشبه تماما ما حدث بعد ثلاث سنوات عندما أخرجت ستيفن جيرارد في الشوط الثاني من ديربي الميرسي سايد المتزن وأدخلت لوكاس ليفا.

بـ الهدوء فقط بإمكانك إيجاد التمريرة الصحيحة وإتخاذ القرار المناسب. العواطف تُعمي البصيرة. ضد إيفرتون حدث ما حدث امام اولمبياكوس , لم نعطي اي فرصة لحدوث ذلك.

ضد الإغريق , قمت ببعض التبديلات. فلورينت سيناما بونغول كان يتحلى بسرعة عظيمة و ثقة هائلة وقدرة على هزيمة اللاعبين. تم إشراكه بـدلا عن جيمي تراوري حتى يلعب بين الخطوط , يخرج الكرة على الطرف ويُبقي على الخصم في منطقته. أردنا طاقته وديناميكيته.

" إذا سجلنا هدف مبكر , سوف نتمكن من فعلها" قلت للاعبين ذلك. " حافظوا على الهدوء , وفكروا" قلتها للاعبين أثناء سيرهم للخارج.

التأثير كان في الحال. سيناما بونغول اندفع نحو خط الستة بعد 50 ثانية ليقابل تمريرة عرضية أرضية من هاري كيويل بقدمه اليسرى ويسجل الهدف الاول. كيويل أضاع فرصتين , جيرارد قدم أداء استثنائي في هجمة قُتلت بـ فاول.

تم توليد الضغط , أولمبياكوس فعل كل ما بوسعه للحفاظ على النتيجة لكنهم كانوا يتراجعون إلى الخلف. هدف ريفالدو ربما خدعهم و جعلهم يعتقدون أن المباراة انتهت. نحن إحتشدنا في الامام وهم لم يستطيعوا التحكم في المباراة لكن لم نتمكن من تسجيل الهدف الثاني ونحن بحاجة لـ هدفين .. الوقت يمضي.

قررنا الزج بـ نيل ميلور , لاعب شاب لكنه مُخلَص طبيعي للهجمة (finisher ) لـ تعويض ميلان باروش الذي عمل بجد بما فيه الكفاية.

إحتجنا دقيقتين فقط: سيناما بونغول عرض الكرة بـ قدمه اليسرى ليقابلها البديل الآخر انتونيو نونيز برأسه ويرسله نحو المرمى. الحارس نيكوبوليدس أبعد الكرة بعيدا , لكن ميلور أظهر ردة فعل سريعة وأقحم الكرة في الشباك.

يتــبقى 9 دقائق فقط.

عندما استلمت زمام الأمور في النادي , أخبرني ريكي باري بأن لدي 3 سنوات لإعادة تشكيل الفريق. 3 مواسم قبل أن يُتوقع مني المنافسة على البريميرليغ والوصول إلى الألقاب. هذا لم يكن يوما من الأيام سلوكي , أود تحقيق اي مسابقة أدخلها منذ سنتي الأولى حتى لو كانت دروي الأبطال. أنا بـ التأكيد لا أريد رؤية الفريق يخرج من الأدوار الأولى.

كارا يستلم الكرة في الجناح الأيسر , صوت الجماهير يطوف بـ الملعب. الساعة تخبرنا انه قد مضى من الوقت 86 دقيقة. هذا كان جو الأنفيلد الشهير . لـ نعود قليلا لبضعة السنوات , هذا هو الأستاد الذي تخشاه كل اوروبا.

كارا رفع عينيه ولمح ميلور , المهاجم اعاد الكرة بـ هدوء لـ جيرارد الذي كان ينتظر الكرة على حافة الصندوق في فراغ واسع تركه اولمبياكوس دون تغطية. نعرف ما الذي بإمكان جيرارد فعله في لحظات كهذه: توصل مثالي ثم إطلاق قذيفة على مسافة 25 ياردة حتى تصرخ خلف نيكوبوليدس في الشباك. الأستاد بأكمله كان يقفز وانا عانقت رجل بدين من المضيفين في الملعب.

حافظنا على المكسب , الجمهور يتمايل ويغني. بعد المباراة تأكد من انني قد صافحت كل لاعب على حدا و جميع أفراد الطاقم الفني أيضا , هذه اللحظات تخص الكل. سوف نتواجد من ضمن الـ 16 فريق في دوري الأبطال. نحن لا نزال في المسابقة التي تمنى الجمهور منذ فترة أن يكونوا جزء منها , وأنا لطالما أعتقدت أننا قادرين على تحقيقها.

اجتمعنا نحن الأربعة في حانة ضيقة .. أنا , باكو ايسترين , اوتشورينا (مدرب الحراس) و اليكس ميلور. كنت في الفندق و متعجب كيف استطيع مشاهدة مباراة تشيلسي و برشلونة في اياب دور 16 . الفندق في مدينة كولن لا يمتلك قناة تنقل المباراة حتى التلفريون الألماني.

" هنالك مقهى إيرلندي في المدينة" .. أقترح اليكس: " يمتلكون سكاي , سنتمكن من مشاهدة المباراة هناك". الفندق وفر لنا تاكسي ينقلنا إلى هناك , وفي طريقنا كنا نتحدث عن مباراة في الليلة القادمة ضد باير ليفركوزن. نتقدم 3-1 بعد فوزنا في مباراة الذهاب لكن لا زال هنالك امور تحتاج الترتيب لها.

المسافة كانت قريبة , إحتجنا لدقائق فقط حتى نصل إلى المقهى .. دفعت المبلغ لسائق التاكسي ثم توجهنا للدخول. لم نستطع الدخول الى عمق المقهى , هنالك عدد كبير من المشاهدين وكلهم يرتدون قميص ليفربول الأحمر أو الشال الأبيض والأحمر على اكتافهم ويقفون في بداية المقهى و رافعين أعناقهم لـ رؤية الشاشة.

وقفنا وشاهدنا ما حصل في الستامفورد بريدج. اليكس كان على يميني , باكو على يساري و اتشو خلفنا. لم نتوقع أننا سوف نلاقي هذا العدد من الحضور لكن كنا سعيدين لـمشاهدة المباراة بهدوء ومن ثم العودة والخلود لـ النوم. هذه كانت الخطة على اية حال.

أثناء مشاهدتنا , رجل آخر بالقرب منا لمحني بعينيه ثم أخذ ينظُر إلى جهة أخرى بعيدة. بعدها نظر إلي مرة أخرى و صرخ: "رافا .. رافا هنا".

" أشششش" قلت له و رفعت إصبعي نحو شفتي قلق من سماع كل الموجودين لـ صوته , حاولت أن أهديه حتى نتمكن من إكمال مشاهدة المباراة بهدوء.

لم تنفع محاولاتي. فجأة , كل شخص موجود حول نظره من الشاشة الكبيرة وأخذ يحدق النظر بنا. بعد بدأ ذلك هدير ضخم: " رافا هنا .. رافا هنا". الناس بدأو بتقدمون إلى الامام , يصافحون يدي و يباركون. أحد النساء أخذت تُقبل (خدي).

حاولنا أن نخبرهم: " OK OK  .. شاهدوا المباراة , شاهدوا المباراة". كان أمرا مستحيلا. عرفنا أنه يجب علينا أن نرحل ونترك المقهى لكن المشجعين يحيطون بنا من كل جانب. تقدمنا إلى الأمام متمسكين بـ أيدي بعض مبتسمين ونقول "مرحبا" لكل شخص , شيئا فـ شيئا بدأنا نقترب من الباب. المسافة كانت بضعة مترات بيينا وبين الخارج لكن إحتجنا 10 أو 15 دقيقة للوصول هناك. أخيرا وصلنا إلى الباب بسلام. مشينا في الخارج وكان هنالك مشجعين بـ عدد كبير , 2 سكاورز حقيقين صافحوا أيدينا وعانقونا.

بعد وقت ليس بـ البعيد , تم وضع الصور على الإنترنت. كانت لحظة مهولة لا تنسى: أعرف جمهور الليفر بالتأكيد لكنني لم يسبق لي مقابلة عدد كبير في نفس اللحظة. لم تحدث لإحدنا من قبل , تذهب لة المقهى ولا تستطيع البقاء فيه حتى لو كان ممتلئ بـ المشجعين. كل ما أردناه هو مشاهدة المباراة فقط.

فوق كل هذا كنا نعرف أننا سوف نواجه أحد الجانبين لاحقا في الأدوار المتقدمة من المسابقة , تشيلسي خوزيه مورينهو أو برشلونه فرانك رايكارد. فوزنا على ليفركوزن القوي الذي كان يملك كارستن راملو , بيرند شنايدر الثنائي الذي تواجد في النهائيات مع المانيا 2002  , وكذلك ديتمار برباتوف و اندريه فورنين _ اللاعب الذي وقعنا معه بعد سنتين_  أكَد تواجدنا في ربع النهائي.

كان علينا الفوز في الذهاب من دون ستيفن جيرارد و تشابي الونسو, وهذا مثير لـ الإعجاب. نعرف جيدا وبسبب لمسة برباتوف الجميلة على الكرة , أنه يجب علينا امتلاك الكرة الثانية إذا لم يتمكن ثنائي الدفاع كارا و هيبيا من عدم التحكم بها.

نظام لعب ليفركوزن كان يعتمد على لاعبي الأطراف , لذلك وجهنا لاعبي الوسط بالقرب من بعض عندما لا نكون مستحوذين على الكرة. وكنا نعرف انه يجب ان نكون متيقظين لـ تسديدات راملو من الوسط ايضا.

يحبون تمرير الكرة عن طريق إخراجها من الدفاع , لذلك أخبرنا لويس غارسيا و ميلان باروش _مهاجمينا_ للضغط عليهم بقوة وبإستمرار بقدر الإمكان.

في المباراة الأولى , سجلنا مبكرا عن طريق لويس غارسيا قبل أن يعزز ريزا التقدم بـ هدف ثاني عن طريق ركلة حرة. مع الوصول إلى الإستراحة كنا في موقف قوي. " لا تستعجلوا في اي شي" أخبرت اللاعبين ما بين الشوطين. " العبوا ركلات المرمى طويلا , سنحاول ان نمددهم في الملعب. لا نريد أن نترك لـ برباتوف أي مساحة."

عندما سجل ديتمار هامان الهدف الثالث في وقت متأخر , موقعنا في ربع النهائي يبدو انه تم تأمينه بقدر ما تمنيناه. كما قلت , كنا على حافة الخروج من البطولة. استرخينا لـ ثانية في الوقت البدل الضائع , فـ سجل فرانكا المهاجم البرازيلي هدف تقليص الفارق ولـ يبقي على حظوظهم حية. علينا أن نكون حذرين للغاية في المانيا.

في بعض الأحيان كنت أعتقد أن الرحلة إلى ليفركوزن في مبارة الإياب سوف نتذكر منها تلك الليلة في المقهى في كولن , لكن في الحقيقة قدمنا واحد من افضل مستوياتنا في المباريات التي كانت خارج الديار.

قتلنا المباراة قبل الوصول إلى الإستراحة , نشكر لويس على تسجيله هدفين آخرين. وعندما سجل باروش الهدف الثالث كان واضحا ان المشجعين الذين سافروا معنا هم في غاية السعادة. سعادة أكبر ربما لانهم قابلوا مدرب فريقهم في الليلة الماضية في مقهى !

تحكمنا في تلك المباراة جيدا. التهديد الأكبرعند ليفركوزن كان في الكرات الثابتة , لذلك فضلنا اللعب بـ إستراتيجية رجل لـ رجل على اللعب بـ marking strategy بالرغم من تكيفنا قليلا عليها. هذه المرونة حاولت تدريسها لـ اللاعبين منذ يومي الأول: (zonal marking system) أُنتِقد كثيرا في إنجلترا, لكن معظم الاندية تتحلى بـ مرونة اكبر. في أكثر الأحيان , طرق لعبك الدفاعية في كل مباراة يجب أن تكون خليط بين عدة إستراتيجيات. على سبيل المثال عندما لعبنا ضد تشيلسي في البريميرليغ في ذلك الموسم , طلبتُ من ساليف دياو أن يلعب مع جون تيري _الذي سجل اهداف كثيرة من الركنيات ذلك الموسم _ (رجل لـ رجل). بينما بقية الفريق تمركزوا كـ دفاع منطقة. لعبنا كذلك في المانيا. البعض لعبوا رجل لـ رجل , والبعض الآخر لعب كـ دفاع منطقة. عليك أن تتكيف مع ظروف كل مباراة على حدا.

المشكلة كانت في التقدم الذي حصل في مباراة الذهاب , بـ التأكيد الرضا عن النفس. مهم جدا خصوصا في منافسة مثل التشامبيونزليغ والتي تكون فيها المعايير عالية و الخصوم غاية في الخطورة أن يستعيد الفريق تركيزه حتى آخر ركلة. هنا تظهر اهمية "المداورة" _مفهوم آخر يتم السخرية منه في إنجلترا_ بـ الإمكان الإستفادة منه. عندما يتم الزج بـ لاعبين يتنافسون على مراكزهم , يتاكد المدرب ان فريقه يتحلى بـ الجدية المطلوبة لـ الفوز بهذه المباريات. بإمكان هذا النهج أن يجعل كل شخص في الفريق يقف على قدميه.

ببساطه هدفنا في ذلك المساء كان واضحا : الرتم يجب أن يبقى عاليا كما هو , محاولة وضع لويس غارسيا في وضع (لاعب vs لاعب) , وأخيرا نحن بحاجة لإستعادة الإستحواذ. " حركوا الكرة" أخبرت اللاعبين ونحن نتجهز للمباراة.

" انظروا إلى ستيفن جيرارد في ضربات المرمى , احصلوا على الكرات الثانية وحافظوا على الإستحواذ. والأهم من كل هذا : العبوها ببساطة". هذه كانت الطريقة الوحيدة والأفضل لـ لدغ الخصم وقتل اي امنية لديه.

بين الشوطين اتضح ان ليفركوزن الذي يحتاج إلى 6 أهداف حتى يتاهل , هُزم تماما لكن طالبت اللاعبين وحثيتهم بقوة على الحفاظ على الرتم عاليا والإستمرار في اللعب ببساطة وعدم إعطاءهم مساحة وإن كانت قدر (إنش). ضيوفنا استطاعوا تسجيل هدف متأخر لـ حفظ ماء الوجه.

الآن نحن في دور الثمانية.

في السنوات الأخيرة , رؤية اسم فريقنا في قرعة دور الثمانية كان طبيعي جدا ومنتظم  _ مرة واحدة فقط من تلك السنة حتى 2010 غاب الفريق عن هذا الدور_. حتى أكون صادقا , كل الفرق التي بقيت في المنافسة كانت تود مواجهتنا في تلك النسخة. كانوا يرون فينا خصم هيًن بعكس الأندية الأوروبية الغنية. وضعنا في الدوري لم يكن مستقر , وخرجنا من كأس الاتحاد بـ مذلة من أمام بيرنلي.

تشابي الونسو عانى من كسر في الكاحل بعد اشتراكه مع فرانك لأمبارد خلال مباراة التي خسرناها 1-0 في أول ايام السنة , وفرناندو موريانتس الذي وقعنا معه قادما من ريال مدريد في يناير لا يستطيع المشاركة. ستيفن جيرارد تحامل على مشاكل اصابته بطريقته.

كنا في وضعية الفريق الغير المستقر. لا أحد في النادي تجرأ وتوقع اننا سوف نصل إلى النهائي ناهيك عن تحقيق البطولة. مقارنة مع اندية مثل تشيلسي ميلان و بايرن ميونخ , أعتقد أن معظم الخصوم كانوا يرون في الوقوع مع ليفربول قرعة مثالية.

كان يتبقى هنالك فريق لا يتمنى مواجهتنا , حتى وإن كان يتحلى هذا الفريق بـ كامل الثقة لـ هزيمتنا في الملعب. يوفنتوس , أعتقد انهم لا يريدون مواجهة ليفربول لان المباراة تعني الشي الكثير بعيدا عن وضعها في ذلك الوقت.

لـ المرة الأولى , المزاج في الانفيلد كان كئيب حزين. دخولنا إلى الملعب بذلك الحزن يشبه سلالة صادوق الكاهن (نشيد مسيحي). ليس هنالك غرابة. تلك الليلة من مارس 2005 كانت اول مباراة تجمع اليوفي بـ ليفربول في آخر 20 عام منذ فقدان 39 مشجع إيطالي لـ حياتهم في ملعب هيسل في بروكسل قبل نهائي الكأس الأوروبية في 1985.

استضفنا مباراة في اكاديميتنا في (كيركبي) , إحدى مقاطعات الميرسي سايد بين مجموعة من مشجعي ليفربول و بعض مشجعي اليوفي الذي سافروا مع الفريق كمحاولة لإعادة بناء جدار تواصل ومحبة بين الناديين. قبل ان تبدأ تلك المباراة , كان هنالك تقديم عاطفي كبير على أرضية الملعب مع إماطة جماهير الكوب عن لثام بنر كبير كُتب عليه (الصداقة). بعض جماهير اليوفي أومات بـ رؤوسها. دقيقة صمت اتضح فيها الإحترام. كان واحد من الأجواء المحزنة والملعب كان ملئ بـ التوتر.

في الحقيقة , المدربين واللاعبين يبقون بعيدين عن مثل هذه الأمور: عملنا في الجانبين ببساطه هو التجهيز للمباراة بالغة الأهمية. انا متأكد أن نظيري في اليوفي , فابيو كابيو مثلي تمام مُدرك لأهمية هذه المناسبة. بالرغم من ذلك في غرف الملابس , لم نكن نعرف ما الذي يحدث فوقنا؟.

بعد وصولنا إلى الملعب بـ ساعة ونصف ولكن قبل بداية المباراة , لا يزال هنالك عمل كبير لـ نقوم به: اللاعبين بإمكانهم الخروج فوق العشب لـ التحقق من سطح الملعب قبل العودة إلى الداخل. أذكر أسماء اللاعبين , أشرح التكتيك , وبعد ذلك إعطاء رسالة لكل لاعب بقدر حاجته لها قبل الخروج لـ الإحماء. أحاول أن أكون قريب من غرفة الملابس طوال الوقت. بعض المدربين يختفي لكن أنا أُحب ان أتحدث بشكل فردي مع كل لاعب حول أدواره في المباراة لإعطاءهم ربما قليلا من النصيحة أو الدعم.

في تلك الليلة , لدينا عديد الأشياء التي ستصرف نظرنا عن عاطفة تلك المناسبة. مع عدم جاهزية دوديك , سكوت كارسون (19 سنة) وسيلعب مباراته الأولى في التشامبيونزليغ وستكون بالطبع أكبر مباراة في حياته. تشابي الذي لا يزال يتعافى من إصاباته التي تعرض لها في 1 يناير , كان لائقا فقط للتواجد على دكة البدلاء. ديتمار هامان لا يستطيع اللعب إطلاقا. كان علينا إشراك انتوني لوتاليك للعب كمهاجم بجانب ميلان باروش.

تم التوقيع معه (لوتاليك) من قبل هولييه كلاعب شاب , ليس هنالك أي شكوك بان لوتاليك يمتيك كمية كبيرة من الموهبة. هو كان بمثابة اللاعب الهدية لكنه لا يزال لاعب خام وهذا يعني ببساطة صعوبة الزج به وإعطاءه الأدوار التي يحبها خلف المهاجم التقليدي. كمهاجم , الأمور تختلف بعض الشي: بإمكانه الحصول على الكرة في الهواء , الإحتفاظ بها , وإدخال الآخرين في اللعب. إضافة إلى ذلك , هذه كانت مباراته الأولى في المسابقة. مواردنا وصلت إلى نقطة الإنهيار.


بعيداً عن هذا كله , الأمور كانت صعبة جدا حينما تقابل فرق خبيرة وانت تفتقد لـ القدر الكافي من الخبرة. خصمنا هو واحد من أكثر الفرق كمالا في العالم بثنائية اليساندرو ديل بيرو و زلاتان إبراهموفيتش في الأمام , قائد المنتخب الإيطالي كانافارو في محور الدفاع و الدولي التشيكي بافل ندفيد كلاعب حر.

على الرغم من وصول ندفيد إلى المراحل الأخيرة في مسيرته , إلا إننا كنا نراه قبل المباراة واحداَ من مصادر القلق في تلك الليلة: تسديداته بعيدة المدى كانت واحدة من أجود الصفات لديه لذلك كنا نعلم أنه في حال أُعطي المساحة لإستقبال الكرة الثانية فإننا سنكون في مشكلة.

ندفيد كان محوري في تشكيل كابيلو 4-3-2-1. أعرف فابيو جيدا لأنه في بداية مسيرتي التدريبية كنت قد ذهبت إلى المانيللو وقضيت ثلاثة أيام هناك إبان تدريبيه لـ الميلان لمشاهدة تمارينه و أساليببه و التعلم عند واحد من أعظم المدربين في العصر الحديث. فابيو كان يمتلك فريق (اليوفي) واثق من قدراته و متناسق تماما مع إمكانيات لاعبيه. للتو تجاوزوا الريال في المرحلة السابقة و من دون أدنى شكوك هم يريدون أن يستصحبوا معهم التحدي الأقل إعجابا ضد ليفربول.

كان علينا أن نكون حذرين ومتيقظين حتى نتمكن من إيقافهم. ستيف فينان يجب عليه أن يضم لـ الداخل حتى يراقب ندفيد , بينما أنت بحاجة لمدافعين لـ التعامل مع ابراهموفيتش .. الأول يضايقه عند إستلامه للكرة و الآخر يكون متواجداً أمامه.

في الجانب الآخر , هجومنا عليه أن يرتاح قليلاً مع إنطلاقات ميلان باروش والتي كررها كثيرا ذلك الموسم. مهمة باروش كانت التوغل خلف المدافعين و السماح لـ لوتاليك بالدخول في العمق و الحصول على الإستحواذ ثم يظهر باروش ويطلب الكرة. هذه كانت هي الطريقة الوحيدة التي يمكننا اللعب بها .. بـ النظر إلى تشكيلتي الفريقين , قلة من كان يعتقد أن حظوظنا لا تزال باقية.

يتبقى 10 دقائق , هذا لا يهم .. بفضل إصرار باروش , حصلنا على ركنية. جيرارد ارسل الكرة إلى داخل المنطقة ,  لويس ركض نحو القائم القريب و ضرب الكرة بلمسة خفيفة. سامي هيبيا في المنتصف , انسل عن من يراقبه وعاد إلى الخلف مسافة 6 ياردات لـ يقابل الكرة و يرسلها كـ وابل في طريق الإنفيلد. هذا التحرك قد تمرنا عليه كثيرا في التمارين التي تسبق المباراة.

فجأة الجمهور الذي كان يعيش حالة نفسية متدنية بسبب الحادثة المبكية , وجد نفسه مرفوعا إلى السماء. الصوت أضحى مزعجا و أعلى بكثير عن معدله الطبيعي .. الجمهور بدأ في ترديد اسمي على لحن ( La Bamba ) و ( Ring Of Fire ) الأغنيتين اللتان اختارها الجمهور لتصبح نشيدهم في البطولة.

بعد 15 دقيقة تقريبا , الجمهور وكأنه ازال الغطاء العلوي لـ الملعب بصوته.

أنثوني لوتاليك نزل إلى العمق و ارسل تمريرة هادئة من فوق رأس باروش. الكرة اتت على طبق من ذهب إلى قدم لويس على بعد 25 ياردة , والذي بدوره سددها بطريقة منحنية من فوق جانلويجي بوفون إلى داخل الشباك.

أنفجر الأنفيلد . . .

مرة أخرى لم أتفاعل لأنه لا يزال ينتظرنا الكثير من العمل. علينا أن نحافظ على الهدوء و نؤدي عملنا على اكمل وجه. المدرب عليه ان يبقى مركزا. لا يمكنني السماح لنفسي بـ الإنغماس في فورة العواطف.

بين الشوطين حاولت ان اكون عملي قدر الإمكان لإعادة التركيز إلى عقول اللاعبين. اليوفي كان فريقا ذو جودة مذهلة. هجومهم يعتمد كثيرا على التمريرات البينية من الوسط .. علينا أن نكون حذرين.

قلت لـ سامي هيبيا الذي في حالة أو اثنتين تم التغلب عليه لأنه كان يحاول أخذ الكرة من أمام إبراهموفيتش: " لا تحاول توقع التمريرة " .. " لا تحاول أن تخطو خطوة أمامه , ابقى واقفا و ركز جيدا على تحركاته الجانبية  .. لا تذهب بعيدا معه , لا تسمح له بأن يخرجك من موضعك الصحيح".

حاولوا كثيرا في الركنيات القصيرة .. أسلوب علينا ان نبقى متيقظين له في حال سمحنا لـ اليوفي أن يلعب بالقرب من منطقتنا. بالنسبة لنا خصوصا في ذلك الموسم , كان علينا الركض طوال المباراة. اليوفي أصبح يضيق المساحات مع صعود الظهيرين إلى الأمام لمساعدة الماسة (طريقة لعب) عبر تزويدها بـ العمق المطلوب. نجحنا كثيرا في استغلال المساحات التي يتركونها في الخلف عبر تغيير مسار الكرة بسرعة.

مع قرب نهاية المباراة , لم نشعر بـ الإيجابية بعد. سقوط واحد في دوري الأبطال , سيكون مكلف جدا. سكوت أدى جيدا في مباراته الأولى أوروبيا لكنه لاحقا سمح لرأسية كانافارو أن تفلت من قبضته وتعبر إلى الشباك.

فجأة .. تحول المد , اليوفي أصبح يملك هدف خارج الديار. مرة أخرى , نتيجة مشابهة لـ تلك التي حققها اليوفي ضد ريال مدريد ستكون كافية لـ رؤية فريق كابيلو في نصف النهائي. مرة أخرى , نحن نقف على شفا حفرة.


13ابريل 2005: اليوفي 0 - 0 ليفربول

اليوفي: بوفون , تورام , مونتيرو (بيسوتو 83) , كانافارو , زامبروتا , كامورانيزي ( ابياه 84) , ايمرسون , اوليفرا ( زالايتا 46) , ندفيد , ابراهموفيتش , اليساندرو ديل بيرو.

ليفربول: دوديك , كاراغير , هييبيا , تراوري , فينان , نونيز ( سميتشر 58) , الونسو , بيسكان , ريزا , لويس غارسيا (لوتاليك 85) , باروش ( سيسيه 75 ).


محور كل شي هو تشابي الونسو الذي لم يلعب منذ 1 يناير وقضى ثلاثة أشهر شاقة لـ التعافي من إصابته بكسر في الكاحل. رغم كل ذلك , نحن نعلم جيدا أننا بحاجته في تورينو. في ظل غياب ستيفن جيرارد بسبب شد في الفخذ , الونسو هو حجر الاساس في تلك الليلة.

حددنا هذه المباراة كعودة له في حال تجاوزنا ليفركزوزن في الدور الأسبق. بـ هدوء , بثبات استعاد تشابي عافيته بعدما قضى نقاهته في اسبانيا مع أخصائي العلاج الطبيعي هناك قبل ان يعود إلى إنجلترا و ميلوود. في البداية بدأ في الركض ثم استأنف العمل بالكرة مع المجموعة.

لكن مع عدم إكماله لمباراة تنافسية وعلى مستوى عالي ولـ مدة 90 دقيقة , سيكون تشابي مفتقدا لـ جزء من لياقته البدنية و أقل مما نريده منه لذلك كان يتطلب منا اللعب بـ نظام يوفر له الحماية.

بدلا من اللعب بطريقتنا الإعتيادية 4-2-3-1 , قررت التحول إلى ثلاث مدافعين _كارا هييبيا و تراروي_ مع إنتشار فينان و ريزا كظهيري جنب. في الوسط تشابي يلعب في العمق و حوله نونيز و بيسكان اللذان يعملان كحراس له بركضهم باستمرار لأنه ببساطه لا يمكنه القيام بذلك في الوقت الراهن لإفتقاده لشيئاً من لياقته البدنية.

بعد مرور أسبوع او نحوه من العمل المكثف , ليس هنالك طريقة تسمح له (تشابي ) بـ الحفاظ على سرعته لمدة 90 دقيقة. عليه أن يحافظ على موقعه ولا يركض كثيرا , هنالك غيره سيقوم بذلك. عملهم سيكون إيصال الكره له: تمريراته الطويلة و استغلالها عبر ارسالها نحو باروش مهاجمنا الوحيد. مع نضوب مصادرنا بسبب الإصابة , كان هنالك عما إضافي بسيط يمكننا القيام به. ذلك الموسم أجبرنا فعلا على العمل بما نملك.

تشابي الونسو كان محور اي شي نقوم به. بسبب افتقاده للياقة البدنية المطلوبة لأنه للتو تعافى من اصابة في الكاحل , قمنا بتوظيف بيسكان و نونيز كحراس له حتى يتولى هو التقاط الكرات و إرسالها إلى باروش و الأخرين.

كانت تلك طريقتنا .. لا زلنا نمتلك خدعة سنقوم به.

كما يُقال الحاجة هي أم الإختراع.

بدلاً من أن أطلب من الفريق أن يبدأ المباراة بطريقتنا المعتادة , أخبرتهم بأن نلعب أول دقيقتين بـ أسلوب لعبنا المعتاد والذي يتوقعه كابيلو وبقية أفراد طاقمه الفني 4-2-3-1. عندما تبدأ المباراة وتتحرك الأمور , نطبق ما اتفقنا وتدربنا عليه بـ التحول إلى 3-5-1-1.

تلك خدعة بسيطة يستخدمها المدربين في بعض الأحيان. غالباً عندما يراك خصمك تبدأ المباراة بطريقة مختلفة عن تلك التي يتوقعها منك , سيبدأ هو في التفاعل عبر التكيف مع هذا نظام لعبه الخاص كـ ردة فعل لما تقوم به.  بالطبع هذا ن صميم عمل المدرب الذي يحدد منهجيته وفقا لـ الظروف. عندما تتغير بعد دقائق , ربما يبدو الأمر إعتيادي وفي بعض الأحيان الخصم لن يحدث تغيير بسبب هذا.

وحدث كما تم التخطيط له , عدنا إلى الطريقة المحددة بعد دقائق. اليوفي استمر على طريقته 4-3-2-1 , يلعب من العمق , هجومهم اللامع تم تهديته من قبل مدافعينا الثلاثة , خط وسطهم عاني من أجل تجاوز لاعبينا الخمسة المتواجدين أمامهم في الوسط. الطريقة آتت أكلها: اليوفي تحصل عبى فرصة في وقت مبكر عبر ابراهموفيتش لكنها كانت جانبية .. لقد كنا نشعر بإرتياح تام وتزداد الثقة في داخلنا. كانت لحظات حرجة لم نفقد معها التركيز.

أردنا التفوق بـ الحيلة عبر البدء بأسلوبنا أسلوب الذي يتوقعه كابيلو وطاقمه 4-2-3-1 ومن ثم التحول بعد دقائق إلى 3-5-1-1 لـ حماية تشابي الونسو و في نفس الوقت التعامل مع هجومهم ذو الجودة العالية.

بين الشوطين قلت للاعبين: " انتبهوا جيداً من التمريرات البينية ". أي فريق يمتلك لاعبين بجودة ندفيد و ديل بيرو يمكن أن يكون خطيرا في أي لحظة. " علينا أن نحافظ على الإستحواذ .. عندما نحصل على الكرة , تذكروا أن تتبادلوا الكرات عبر الونسو". رغم كل الترتيبات التي قمنا بها , إلا أنه في الحقيقة لم نستخدمه بالطريقة التي كنا نتمناها. نريد إدخاله جو المباراة لـ يساعدنا على استعادة الكرة وإذا أمكن صناعة فرصة ربما تتيح لنا تسجيل هدف خارج الديار من شأنه أن ينهي الأمور في تلك المرحلة.

مدافعينا عليهم أن يفتحوا الملعب عندما تكون الكرة بحوزتنا , وهذا يعني أن يمكننا بناء اللعب طويلا من الخلف. استمروا في الضغط , ابحثوا عن المساحات خلف كامورانيزي , احتفظوا بـ الكرة ولا تسمحوا لهم بـ الضغط. 

كنا الفريق الأفضل في الشوط الثاني , اتيحت لنا فرصة عبر هجمة مرتدة ارسلها الونسو إلى باروش .. فرصة كانت من شأنها أن تمنحنا هدف يجعلنا نتنفس لكن باروش طوح بها بعيدا. اليوفي بدوره اندفع بقوة إلى الأمام وكالعادة من العمق لكنهم لم يتمكنوا من المرور. اليأس بدأ يتسلل إلى لاعبي اليوفي بوضوح لكن رغم ذلك لا يزالون مصدر تهديد. أرسل ديل بيرو كرة لولبية , كانافارو الذي سجل هدفا في الأنفيلد ارتمى لها و ضربها برأسه لترتطم في القائم ومن ثم أخرجها تراوري من على خط المرمى. لاعبي اليوفي احتجوا بأن الكرة عبرت الخط لكن استئنافهم اصبح بلا جدوى.

نالنا منا التعب بعد كل الطاقة التي أهدرناها و الجهد الذي بذلناه لـ نحافظ على النتيجة , لذا الفريق بحاجة لـ أقدام نشيطة. ادخلت لوتاليك و سيسيه في محاولة لـ إشغال مدافعي اليوفي و تشتيت أفكارهم. مواجهة سرعة سيسيه بعد 75 دقيقة هي أخر ما يتمناه مدافعي اليوفي في طقس دافئ ومرهق في شمال ايطاليا خصوصا وأنهم أصبحوا يشعرون بـ اليأس في طريقهم لـ البحث عن هدف. اتجهوا لـ لعب الكرات أكثر فـ أكثر. فريق كابيلو أضحى يأمل في حدوث منحة عن طريق الحظ , خطأ واحد قاتل .. وهذا لن يحدث.

في معمعة فرح اللاعبين بـ الإنجاز وتبريكاتهم لبعض بـ التأهل , بإصرارهم , بروحهم وبالطبع بإنجازهم .. من غير المنطقي أن تطلبهم ثم تشرح لهم كيف كان من الممكن أن نؤدي بشكل افضل: تحركات المهاجمين على سبيل المثال لم تكن جيدة بالصورة التي من المفترض أن تكون عليها. في بعض الاحيان , أحب أن أتحدث إلى اللاعبين فوق أرضية الملعب تحديداً اللاعبين الذين يتقبلون الأفكار الجديدة: تشابي و الونسو بالتحديد كانا دوما حاضرين لأي تطوير وتعلم شي مختلف.

ربما يكون غربيا بعض الشي أن تذكر لـ اللاعبين بعض الخلل الذي حصل في المباراة , لكن من الأفضل أن تتحدث إليهم وكل شي لا يزال حاضراً في مخيلتهم.على متن الطائرة , هم يريدوا أن يخلدوا إلى النوم وبعد مجموعة مباريات ربما لا تراهم إلا بعد يوم أو يومين. عليك أن تضرب بقوة عندما تستطيع لـ إيصال رسالتك.

هذا لم يحدث في تلك الليلة .. ذلك الوقت تم منحه لـ اللاعبين للإستمتاع. فريق من دون قائده , من دون ديتمار هامان _واحد من أكثر اللاعبين خبرة_ , و لاعب خط وسطه المحوري بعيد تماماً عن كامل لياقته البدنية .. يتجاوز كل هذا ويصل إلى دور الأربعة في أكبر منافسة رياضية لـ الأندية. ذلك الوقت ليس لـ الدروس أو النصائح ورغم ذلك تفكيرنا اتجه مباشرة نحو نصف النهائي , نحو خصم مألوف ينتظرنا هناك.

لقد قابلنا تشيلسي ثلاث مرات ذلك الموسم: في ستامفورد بريدج و الأنفيلد لـ حساب الدوري , وفي استاد ميلينيوم بـ مدينة كارديف في نهائي الكارلينغ كاب. جميع تلك المباريات كانت مقفلة تماماً: مباراتي الدوري حُسمت بهدف من جو كول في المباراتين , وفي نهائي الكأس انتصر تشيلسي في الوقت الإضافي. كنا متقدمين في النتيجة , شكرا لـ ريزا على ذلك الهدف حتى سجل جيرارد هدف عكسي في الدقيقة 79 .

في ذلك الموسم , كان هنالك إيحاءات لإرتفاع معدل الخصومة بين الناديين تحديداً وليس بين المدربين. لم يسبق لي أن واجهت مورينهو تلك السنة وهي الأولى لي في إنجلترا. مساري لم يتعارض البتة مع مساره لكن كلانا استمتع بـ فترة مثالية و ودية.

في الإنفيلد وفي أول يوم من السنة , تصادمنا مع بعض في السلم المؤدي إلى مجلس الإدارة. على الرغم من الاحداث التي أظهرتها المباراة: تدخل من لامبارد يتسبب في كسر كاحل الونسو وهدف متأخر من جو كول حرمنا من فوز مستحق , توقفنا و درات بيننا محادثة لطيفة حول عملنا المحترم و عن الخطط الطموحة لدى مالك تشيلسي رومان ابراهموفيتش في سوق الإنتقالات الصيفية. كانت دردشة بسيطة و ودية جدا , حتى أنه ذكر في المؤتمر الذي سبق المباراة أنه إذا انتصر فريقه علينا مرتين في الدوري فإنه سيكون سعيد في حال عبر الليفر مراحل دوري الأبطال وحقق البطولة. " بيننا علاقة جيدة " مورينهو قال ذلك لـ الإعلام في غرفة المؤتمرات في ستامفورد بريدج.

بالطبع لن تدوم . . . ( يقصد العلاقة ).

مورينهو يستحق الثقة لأن تشيلسي كان واحداً من أفضل الفرق التي واجهتها وفي نفس مستوى ريال مدريد و برشلونة في أحسن أحوالهم .. بإمكانهم ضرب خصمهم بـ أكثر من طريقة .. يمتلكون لاعبين لديهم القدرة على ضرب الدفاع بـ تمريرات بينية .. يلعبون المرتدات بـ سرعة عجيبة مع جناحين سريعين أمثال داميان داف و آريين روبين. في الكرات الحرة , هم يشكلون خطر حقيقي أيضا .. جون تيري كما ذكرت سجل الكثير من الأهداف في ذلك الموسم من الركنيات و الكرات الحرة لذلك نحن نعلم جيداً أنه يتعين علينا إتخاذ نظام خاص للتعامل معه .. يمكنهم بناء الهجمات عبر ديديه دروغبا , إرسال كرات طويلة إلى الإيفواري الذي بشأنه يحضر الكرات الثانية لـ الزملاء.

تشيلسي يحظى بخيارات متعددة و طرق مختلفة لـ إلحاق الضرر بالخصوم شأنه شأن الفرق الكبيرة أيضاً. تشيلسي سجل العديد من الأهداف وبأساليب متنوعة. مطاردتهم لـ لقب البريميرليغ في تلك السنة كان عديم الشفقة. تشيلسي حقق لقب الكارلينغ كاب ولو انه كان بشق النفس _ احتاج لأوقات إضافية حتى ينتصر علينا في النهائي_ , و رفعه لـ درع  البريميرليغ كان مسألة وقت لا اكثر.

ليفربول على الجانب الآخر كان في مرحلة إحلال. كنا نعلم تماماً أنه يلزمنا التحضير جيدا إذا كنا نريد إيقافهم , لكن أظهرنا ضد ليفركوزن و اليوفي بأن فريقنا لا يخشى أحداً في لقاء من مواجهتين رغم عدم منافستنا على الدوري. في هذا النوع من المباريات , من السهل تقليص الفورقات.

" إذا نظرت في المباريات التي لعبنا فيها ضدهم , فإنك لن تلاحظ فارقا كبيرا " قلت هذا الأمر في مؤتمر ما قبل المباراة. نعم كنا قريبين منهم في كل مرة نواجههم فيها لكن لا إلى الأن لا أحد هنا في هذه الغرفة في ستامفورد بريدج يتوقع أننا الفريق الإنجليزي الذي سيتواجد في النهائي. عند الكثيرين , هذا اللقاء سيكون نهاية طريقنا في البطولة.

الطريقة الوحيدة التي من شأنها تقليص الفارق في الإمكانيات هي التركيز. اخترنا تشكيل يركز بقوة على الصلابة: الونسو و ايغور بيسكان سيتمركزان في العمق , ستيفن جيرارد سيكون متقدم قليلاً , لويس غارسيا و ريزا يلعبان على الطرف. مرة أخرى باروش عليه الركض في الفراغات في محاولة لـ خلق مساحات بين الخطوط.

اخترنا أن يكون دفاعنا بنفس الصورة التي كان عليها في تورينو بثلاثة مدافعين ليسوا متقدمين كثيرا وليسوا متأخرين كثيرا أيضاً. لا يمكننا البقاء في الخلف وإنتظار تشيلسي ليهاجمنا: فريق بتلك الخيارات الهجومية المختلفة سيسجل بالتأكيد في حال اخترنا الدفاع على حافة الصندوق. أيضا جربنا كثيرا مصيدة التسلل لأن فريق مورينهو يعتمد على تمريرات بينية خلف المدافعين عبر لاعب خط وسطه البرتغالي تياغو.

في الفريق حديث اللاعبين في اليوم الذي يسبق المباراة وقبلها بساعات تركز على كل الأمور التي يلزمنا فعلها لإبقاء تشيلسي في منطقته. قلت لـ اللاعبين " اجعلوا تمريراتكم قصيرة , تاكدوا من عدم تمكنهم على تنفيذ الكرات المرتدة و انتبهوا لتغيير اللعب من جهة لـ أخرى".

غيرنا من طريقة لعبنا في الكرات الحرة قليلا لنتمكن من تغطية تيري رجل لـ رجل وهذا ليس بسيطاً في نظام الزونال. تحدثنا عن كيفية إستفادتنا من الكرات المرتدة والتاكد من لعب الكرات الحرة بأفضل طريقة ممكنة لكننا كنا نعلم أنها ليلة سيطغى عليها الإنكماش أكثر من الجمالية.

توضيح من المترجم: في فنون التدريب هنالك طريقتين في التغطية المتعلقة بـ الكرات الحرة أو الركنيات .. بإختصار الأولى Man to Man marking وتعني تغطية رجل لـ رجل , و الثانية Zonal marking وتعني تغطية المنطقة.

اللاعبين قاموا بـ واجبهم على أكمل وجه. تشيلسي ضغط بعض الشي في تلك الليلة لكن لم يصنع فرص محققة لـ التسجيل. ميلان باروش كان قريبا من إهداءنا هدفا ثميناً خارج الديار في الشوط الأول لكن بيتر تشيك تصدى لرأسيته. سننهي المباراة بـ إيجابية طفيفة قبل مباراة الإياب , لكن المباراة انتهت بـ ملحوظة قبيحة: تشابي الونسو تحصل على بطاقة صفراء بعد ارتكابه لـ خطأ ضد غودينسون في آخر الدقائق. تشابي كان غاضبا لأنه يشعر بأنه لم يلمس المهاجم مطلقاً. الإستئناف لن يجدي نفعاً , تشابي سوف يغيب عن لقاء العودة في الأنفيلد بسبب الإيقاف.

في مباراة سيطر عليها التعادل , هذا الإيقاف كان بمثابة إنتصار كبير لـ تشيلسي. فريق مورينهو يمتلك الجودة و التنظيم العالي , و مواجهته بأقوى ما تمتلك تعتبر مهمة شاقة. لذلك عندما يغيب أحد أهم عناصرك بسبب الإيقاف , فهذا يعني أن الفريق تلقى صفعة قوية في سبيل تحقيق أمنياته.

بناءاً على جميع إحباطاتهم , موقف تشيلسي يعتبر ضعيف للغاية. سافروا إلى الأنفيلد وهم يعلمون أن تسجيلهم لـ هدف كما فعلوا في الدوري , سيجبرنا على تسجيل هدفين في حال رغبنا في الوصول إلى إسطنبول. لا يزال تشيلسي هو المرشح لـ العبور لكن في الأنفيلد وفي مثل تلك الليالي الأمور تكون مختلفة كلياً.

3 مايو 2005: ليفربول 1 - 0 تشيلسي

ليفربول: دوديك , فينان , كاراغير , هيبيا , تراوري , لويس غارسيا ( نونيز 84 ) , بيسكان , هامان ( كيويل 72 ) , ريزا , جيرارد , باروش  ( سيسيه 59 ).

تشيلسي: تشيك , جيرمي ( هوث 76 ) , كارفاليو , تيري , غالاس , تياغو ( كيزمان 68 ) , ميكاليلي , لامبارد , كول ( روبين 68 ) , دروغبا , غودينسون.


صوت الجماهير المزعج أصبح يتسلل عبر الجدران. في الخارج , التوقعات أخذت في التزايد .. إنفعال , هيجان , قلق و ترقب. الوقت طويل بين الشروق و الغروب , كان الأمر واضحا بجلاء: هذه الليلة لن ينساها أحد. ليفربول تفصله 90 دقيقة عن العودة إلى النهائي الأوروبي.

 جموع الجماهير بدأ تنساب نحو الملعب , حاملين معهم أعلام و شعارات و يغنون الأغاني التي تعبر عن أمانيهم و أحلامهم. الجمهور رحب بنا مع دخول حافلة الفريق عبر بوابة بيزلي و مروراً بالنصب التذكاري الخاص بـ هيلزبروه وصولاً إلى المدرج الرئيسي.

هدير مهول يجعل شعر الرأس واقفا طوال الوقت مع نزولنا من الباص. قبل أن يهرب الفريق عبر النفق الهادئ و الأمن المؤدي إلى غرف الملابس , شعر الجميع بـ مصير الفريق عبر هذه الفرقعة من الإثارة التي امتلات بها المدينة.

في تلك اللحظات , المدرب عليه أن يكون في عزلة عن تلك الدوامة. لذلك الرسالة التي ستوصلها إلى اللاعبين يجب أن تكون معاكسة لـ الشعور الذي يحتويهم و التفكير الذي يسيطر على الجماهير. إذا شعرت انهم قلقين , عليك أن تكون واثقاً .. وإذا كانوا واثقين فوق المعدل المعقول او أنه تملكهم إحساس بأنهم الطرف الأضعف , نجمع الفريق و نعلق على نقاط قوة الخصم. عندما نواجه فريق أفضل منا , نرشد اللاعبين إلى الشقوق التي تتواجد في دروعهم خصوصا النقاط التي يكونوا متأثرين بها بدرجة كبيرة. 

إذا لاحظت أن اللاعبين ليسوا مهتمين بما فيه الكفاية وغير مدركين لأهمية المرحلة , حينها عليك أن تضخهم بمزيد من الشغف و توقظهم من سباتهم _بلغة مثيرة ربما_. الوضع شبه وافيا و التحضيرات النهائية لمواجهة لمواجهة تشيلسي , 90 دقيقة عن إسطنبول , عن نهائي دوري الأبطال و عن التاريخ. إذا كنت تعتقد أنهم منفعلين , أدخل عليهم جو من الهدوء. الحديث معهم عن أهمية المباراة لن يدفعهم إلى الأمام كثيرا , مصيرهم ينتظرهم على المحك.

في مثل هذه المباريات , دورك كمدرب هو ان تسيطر على القلق , تذكرهم كيف كانت استعداداتهم و حجم العمل الذي تم القيام به لـ تُخفف من قلقهم. الكثير من تلك الأشياء أصبحت من روتين الفريق: اللاعبين سوف يتصرفون بطريقة سيئة إذا سارت الأمور بطريقة مختلفة عن المألوف او بصورة مفاجئة. عليك كمدرب ان تخلق بيئة يتوقع معها اللاعبين بالضبط ما الذي سيحدث في اليوم الذي تكون فيه المباراة , حتى يصبحوا قادرين على تكريس كل طاقاتهم بطريقة إيجابية في عملهم و لا يصرفوا إنتباههم لـ أدنى الأشياء.

كل هذا بدأ في الليلة التي سبقت اللقاء , تجمعنا سويا في الفندق ونام الجميع هناك حتى لا يشتت إنتباههم لأي أمر. في صباح اليوم التالي: تناولنا وجبة الإفطار معا , عقدنا إجتماع الفريق الأخير ثم غداء خفيف _ شيئا من المعكرونة لـ اللاعبين كالعادة_ قبل الإسترخاء في الظهيرة.

هذا هو المفتاح: كل شي يجب ان يسير كما هو مألوف.

بعد ذلك توجه اللاعبين إلى الباص في تمام الساعة 04:30 مساءاً تحت حماية الشرطة للذهاب إلى الأنفيلد. جميع اللاعبين كانوا مركزين و مسترخين قدر الإمكان قبل ساعة ونصف عن واحدة من أكبر المباريات في مسيرة اللاعبين.

بمجرد ان وصلنا إلى غرف الملابس , سمحت لـ اللاعبين بالتوجه إلى أرضية الملعب. المتوقع انهم يتمنون رؤية الجو العام و تذكير انفسهم بـما يحيط به.  حتى وإن كانوا لعبوا مئات المباريات سابقا , يحب اللاعبين غالبا أن يقضوا بعض الدقائق على أرضية الملعب و يتحدثوا لبعضهم البعض. بعد عودتهم _ وليس قبل ذلك _ سوف أذكر أسماء اللاعبين المشاركين في المباراة.

هذا هو الروتين . . كل شي يسير كالعادة.

" دوديك , فينان , كارا , هيبيا , تراوري , لويس , هامان , جيرارد , بيسكان , ريزا . باروش " .. قلت لهم قبل أن أذكر أسماء الإحتياطيين السبعة. دكتنا سيكون بها جون ويلش , ستيفن وارنوك و كارسون بجانب سيسيه , نونيز , سميتشر و كيويل. دكة تشيلسي بـ كيزمان , روبين وغلين جونسون تساوي الملايين. نقطة توضح الهوة الكبيرة بين الناديين في هذا الجانب.

بعيداً عن المباراة , لم أكن منفعلا في تلك اللحظات. بعض الناس يسألونني أحيانا هل أنا أكون مهتماً على نطاق واسع في مثل هذه المباريات وأفكر في كل المشجعين الذين تدفقوا في الملعب و كل واحدٍ فيهم متعطش لـ الإنتصار. عندما تكون مركزا جداً في المهمة التي بين يديك , لا يمكنك التفكير في أي شي آخر. أعلم جيدا مدى الجدية التي أظهرنا في التمارين ومدى العمل الجيد الذي قد تم.أيضا على علم بـ أننا جهزنا كل شي تقريباً: أمعنا النظر في لقطات الـ DVD , مارسنا روتيننا في الكرات الحرة , حللنا الخصم و مررنا خبراتنا و معرفتنا إلى اللاعبين. كل مباراة ببساطة تكون هي أوج عطاء دام لأيام بناء على بحث و تدقيق يعود لسنوات أو عقود. أعلم أن الامور تحت السيطرة. عملي هو نقل ذلك إلى اللاعبين وإخبارهم ما هي الخطة و إحساسهم أن الفريق لديهم خطة سـ يسير عليها.

" ليس ما لدينا ما نخسره في هذه الليله " قلت لهم ذلك في محاولة لـ التأكد من انهم ليسوا مشلولي الفكر بسبب التوجس من المباراة. تشيلسي هو المرشح لـ الفوز .. الكل يتحدث عنهم .. مهما حدث , علينا أن نطبق خطة لعبنا كما هي .. التكتيك سيبقى كما هو وسنقوم بما يجب علينا القيام به و نبقى مركزين. لا تفقدوا التركيز ولو لـ ثانية. هذا كل شي.

لا تذهبوا لـ العمق بصورة كبيرة .. أدفعوهم إلى خارج المنطقة ما استطعتم إلى ذلك سبيلا. نريد ان نظل متماسكين , متحدين , نقاتل من أجل الآخر وندعمه. نعلم أنهم سيحاولون لعب كرات بينية كثيرة لحثا عن دروغبا , لذا كونوا متيقظين و كونوا قريبين منهم. عليكم أن تتحلوا بـ الحذر في الملعب الخاص بنا. الخصم خطير جدا في الكرات الحرة ..  لذا لا نريد إرتكاب أخطاء. لا تعطوهم الفرصة لإرسال الكرات نحو الصندوق. ارسلوا أو شتتوا الكرات طويلا وبعيداً عن منطقتنا , بعد ذلك سنقاتل من أجل الحصول على الكرة الثانية.

حافظوا على الإستحواذ والعبوا المباراة بـ بشكل مبسط قدر الإمكان. نريد من وسطنا ان يدعم باروش بـ الذهاب إلى الامام و البحث عن الفراغات. لويس و ريزا .. أمامكما المساحة لـ الإنطلاق إلى الأمام. وإذا سجلنا أو هم سجلوا .. علينا القيام بنفس الأدوار دون تغيير , كما هي تماماً.

في هذا النوع من المواجهات , لاعبي الخبرة يجب أن يكونوا في المقدمة. ديتمار هامان لعب نهائي المونديال مع المانيا و أحرز لقب البوندزليغا مرتين أثناء فترته مع البايرن. مع غياب الونسو الذي يغيب بسبب حصوله على بطاقة صفراء في وقت متأخر من مباراة الذهاب , هامان سيكون المفتاح. نريد من القيصر أن يساعد الفريق في الإستحواذ , تغيير اللعب , البحث عن المساحات خلفي ظهيري تشيلسي وإعطاء معنى وتعريف لـ الكيفية التي ستكون عليها مباراتنا. بجانبه سيكون جيرارد الذي عليه أن يتولى القيادة ويتحرك من جهة إلى أخرى بحثا عن المساحات و استقبال الكرة. بهذه الطريقة ننوي أن نبني طريقتنا الهجومية.

دوماً أحاول أن اكون قريباً من غرف الملابس بعد إعلان التشكيلة , اشرح لهم اساليبنا التكتيكية و أوضح لهم شيئا عن الكرات الثابتة على لوحة الشروحات و اللاعبين يستمعون إلى الموسيقى , يتحدثون أو ببساطة جالسين بهدوء في محاولة لـ التركيز قبل المباراة.

في ذلك الموسم , لويس غارسيا و سيسيه توليا أمر الموسيقى في غرفة الملابس , لكن العديد من زملاءهم لديهم سماعات أذن خاصة بهم. بعض اللاعبين لربما سأل عن عناصر معينة في الخصم وما نتوقعه منهم , في المقابل نحن نحاول أن ندخل نريحهم بـ الإجابة. في تلك الليلة , الكل يعلم من الذي قادم إلينا .. بطل البريميرليغ , الفريق الذي تم بناءه بكلفة وصلت إلى الملايين و تم تتويجه الأسبوع الماضي في بولتون.

تشيلسي بتلك النسخة كان واحداً من أقوى الفرق التي واجهتها , ونعلم جيداً أن لاعباً بحجم هامان سيكون مهماً و حيوياً في تلك المواجهة. هامان سيكون متحرك أمام دفاعنا ومعه جيرارد الذي سيتجول بين الخطوط بحثاً عن الفراغات التي نحتاجها لـ بناء هجماتنا.

بدأنا في الخروج نحو العاصفة .. العاصفة. لقد أخبروني لاحقا ان جماهير الانفيلد سجلت رقم قياسي فيما يتعلق بالصخب الجماهيري في تلك الليلة. بالنسبة لي لم يكن الأمر مفاجئاً او غريباً. أعتقد حجم الصوت حينها أدهش بالفعل تشيلسي , لست أعلم في حال توقعوا أنهم سيواجهون جدار من الصخب أم لا ! الأكيد أن الصوت أرعبهم. مع مرور الوقت أستعادوا ربأطة جأشهم .. نحن نتقدم.

" إنه هدف صحيح , شخصياً متاكد من ذلك تماماً " .. سكرتيرتي السيدة شيليا أخبرتني بذلك بعد المباراة مباشرة. هي كانت تجلس في المنصة الخاصة بـ بموظفي النادي في مستوى مقارب لنهاية خط مرمى الكوب. " لقد عبرت الخط " شيليا قالت لي ذلك. ليس هنالك سبب لعدم تصديقها أو الشك بها , لطالما كانت تتمتع بدقة مذهلة.

الجزئية الأكثر أهمية فيما يتعلق بـ هدف غارسيا أو _ الهدف الشبح كما سماه مورينهو _ , أنه إذا الُغي ذلك الهدف لتم إحتساب ركلة جزاء لنا و تم طرد بيتر تشيك حارس مرمى تشيلسي بعد 4 دقائق فقط من المباراة .. بكل الاحوال تشيلسي خرج من تلك اللقطة بأخف الأضرار.

كان تحركاً استحقينا عليه الهدف. ريزا مرر الكرة لـ جيرارد الذي بدوره ارسل الكرة بطريقة خفيفة نحو طريق باروش من اللمسة الأولى .. باروش التقط الكرة وتجاوز تشيك لكن الأخير أسقطه أرضاً .. لويس هو الأخر تابع الكرة ولعبها فوق الخط. وفقاً لـ شيليا الكرة تجاوزت الخط رغم محاولة غالاس في إبعادها.

الأنفيلد أقر على صحة الهدف , اندلعت البهجة في الملعب .. الجماهير وقفت على مقاعدها كل شخص يحضن الآخر .. اسطنبول أضحت قريبة جداً .. العودة إلى المحطة الأروع في الكرة الأوروبية أصبح واقع ملموس تقريباً.

عقلي وتفكيري كالعادة ذهب مباشرة لـ 86 دقيقة المتبقية. علي أن اتأكد من أن اللاعبين لم يفقدوا تركيزهم أو يسمحوا لذلك بـ الحدوث.

لست بحاجة لـ القلق .. الأنفيلد اهتز. الأرضية تم غسلها بـ أهازيح وهتافات تصدر من الكوب و تصتدم بـ بقية الملعب .. فريقنا بقي متماسك على أرضية ملعبه. تشيلسي أو شيئا من تشيلسي تمكن فقط من القيام ببعض المحاولات على المرمى في الشوط الأول. دوديك بـ الكاد وجد فرصة لـ صدها. عدنا إلى غرف الملابس سالمين.

قلت لـ اللاعبين: " علينا ان نستمر في العمل ". أخذت كارا في حديث جانبي ونبهته بأن يجعل يداه في الأسفل عندما يتقاتل مع دروغبا على الكرة. هذا الأمر ربما يتم قبوله بدرجة كبيرة في البريميرليغ لكن في أوروبا سيتم معاقبتك في كل مرة تفعل ذلك. لسنا على إستعداد لـ إعطاء تشيلسي فرصة ذهبية في معادلة النتيجة من كرة ثابتة.

قلت لبقية اللاعبين: " كونوا قريبين من دروغبا ". "سيلعبون كرات طويلة له حتى تصتدم به من الخلف ومن ثم يبحث عن إستعادة الكرة. علينا أن نبقى متماسكين ونطبق خطة لعبنا بحذافيرها. كونوا قريبين , ضايقوه وبعد ذلك كونوا متيقظين لـ الكرة الثانية".

بهذه الطريقة لعب تشيلسي الشوط الثاني: كرات طويلة نحو مهاجمهم القوي مع أمنية بلعب كرة تعود منه. أسلوب فيه شيئا من اليانصيب وليس الطريق العلمية , بمعنى آخر نهج بدائي. لم يكن هنالك براعة أو جودة في طريقة لعبهم.

الضغط أخذ في التزايد .. نحن بحاجة لـ أقدام جديدة. باروش فسح المجال امام سيسيه الذي طُلب منه أن يُشغل دفاعهم و يشتت أفكارهم و يتاكد من أنهم ليسوا قادرين على إرسال كل شي إلى الأمام. سرعته سوف تسبب لهم المتاعب. نحن في طريقنا إلى الفوز لكن لا نريد الإسترخاء. علينا الإستفادة من المساحات الموجودة خلف الخط الخلفي.

الفرصة التي توقعنا حدوثها لم تاتي .. مورينهو أدخل روبين لكن الأسلوب لم يتغير: كرة طويلة .. كرة ثانية , كرة طويلة .. كرة ثانية.

لقد دفعوا ثمن ذلك .. تشيلسي تقريبا فاز في اليانصيب في الست الدقائق المضافة كـ وقت بدل ضائع. روبين صنع بعض الفرص لكن مدى الإحباط الذي كان عليه مورينهو أصبح واضحا عندما ارسل روبيرت هوث إلى الأمام ليلعب كمهاجم. كرة طويلة أخرى وصلت إلى الصندوق قبل 60 ثانية تفصلنا عن اسطنبول. دوديك خرج ليضربها بعيداً لكن لم يلمسها بـ القدر الكافي .. الكرة سقطت و تدحرجت نحو غودينسون.

الساعة يبدو أنها توقفت .. و الفوز على وشك أن يضيع .. كل شي تعلق بـ تلك التسديدة.

غودينسون جهز الكرة لقدمه اليمنى و سددها بقوة .. محاولة مثالية عبرت بجانب المرمى .. خفت الصوت و كُتِمت الانفاس.

ذهبت الكرة بعيداً , لاعبي تشيلسي جثوا على الركب. الأنفيلد تنفس الصعداء في فرح و بهجة. لاعبينا رفعوا أيديهم للانتصار وأعينهم إلى السماء. في الحقيقة لم أدرك مدى خطورة تلك الهجمة وإلى أي حد كانت قريبة حتى رأيتها في لقطات الفيديو بعد المباراة. التاريخ يحوي هوامش جميلة. ليفربول وليس تشيلسي سيكون في نهائي دوري الأبطال.

فقط أي سي ميلان يحول بيننا وبين التاريخ.

لا يزال هنالك المزيد من العمل لـ نقوم به في تلك الليلة. الأفراح فوق الأرضية الملعب دامت لـ 10 دقائق تقريباً: نبارك لـ اللاعبين , نحيي الطاقم و نواسي تشيلسي. بالطبع لن يكون هنالك حديث ودي مع مورينهو في تلك الليلة. علاقتنا الجيدة وصلت إلى النهاية. لقد عرف الان أن فريقنا يشكل تهديد حقيقي له وأنه يمكننا إيقافه ومنعه من تحقيق ما يريد. لن يكون هنالك مزيد من اللطافة بين الأنفيلد و ستامفورد بريدج.

بدلاً من ذلك توجهت مباشرة من غرف الملابس وصوت نشيدنا الخاص لا يزال يرن في أذني إلى غرفة المؤتمرات من أجل المؤتمر الخاص بـ دوري الأبطال. كانت ممتلئة بـ بحلي و شعارات تذكرنا بتاريخ ليفربول العريق .. تاريخ يعيدنا إلى الوراء 40 سنة او اكثر. الأن امامنا فرصة لـ إضافة شيئا ما لذلك التاريخ.

المقابلات دامت لـ نصف ساعة أو اكثر بشي قليل تحدثت فيها إلى التلفريون , الراديو و إعلاميي الصحف من شتى أنحاء أوروبا. حتى في ليلة خاصة كـ تلك الليلة , منهجي في المؤتمر لم يتغير: من المهم أن أحترم الخصم , أُشيد بـ لاعبي الفريق وأعبر عن فخر تجاه ما تم إنجازه. إذا حدث أمرا ما خارج عن هذا الإطار , أُعلق عليه لكن ليس دائماَ. في تلك الليلة سألني أحد المقدمين في حال رأيت كرة غارسيا تعبر الخط أم لا , فضلت عدم التعليق بأي شي حتى أتحدث إلى شيليا.

في الوقت الذي عدت فيه إلى غرفة الملابس , اللاعبين و افراد الطاقم قرروا القيام بـ حفلة إرتجالية. أنا تحديدا لم أكن متحمساً لان ما فعلنا هو أننا وصلنا إلى النهائي فقط , لم نحصل على اللقب بعد لكن المدربين و اللاعبين والأكثر اهمية مونتسي كان لديهم رأي مختلف. " انت ستكون متواجد في نهائي دوري الأبطال " زوجتي قالت لي ذلك وأضافت: " سنقيم حفلة من اجل ذلك ".

لم يكن هنالك مجال للنقاش. الأمر لا يعني أنني لا أريد الإستمتاع بهكذا لحظات , لا لا الأمر أبعدُ من ذلك. اعلم جيدا مدى العمل الشاق الذي قمنا به كلاعبين ومدربين لكن ليس من أسلوبي أن انفتح على الخارج و أُقيم إحتفال عام.أفضل أن أسترخي مع بعض الأصدقاء واكون محاطاً بـ الرجال الذين يعملون معي لـ تقييم العمل الذي تم القيام به وكيف تم. انا أعتبر نفسي بالطبيعة رجل تحليلي.

على الرغم من كل ذلك في تلك الليلة خسرت بـ الأغلبية. المدينة كلها تحتفل _ أو على الأقل الأجزاء التي تشجع ليفربول_ ولا أحد في النادي يريد أن يضيع تلك الفرصة.

أحدهم حجز لنا مقهى بنمي على رصيف البرت البحري في Britannia Pavilion .. منطقة جميلة جداً. اللاعبين , الأصدقاء , العوائل و الطاقم التدريبي انطلقوا من الملعب نحو تلك المنطقة لـ الإحتفال بما تحقق.

الجو كا رائعاً .. فكرت كثيرا في كلمات كثير من الاغاني و الأهازيج التي رددتها جماهير الكوب: Ring of Fire أغنية جوني كاش أصبحت وكانها نشيد ليفربول في تلك البطولة. أيضا صراخ الكوب بأسم لويس غارسيا بعدما سجل الهدف أحاط الملعب بأكمله وشكل خاتم من الصوت فوق سماءه. الحفلة استمرت حتى الساعات الأولى من الصباح , كل شخص احتسى الشامبانيا , تحدث , استرخى واحتفل بكل ما أنجزناه.

كانت تلك هي المرة الأولى التي يتم تقديمي لـ روبي فاولر الذي حضر الحفلة صحبة ستيف مكمانمان اللذان التحقا بـ الأصدقاء لـ تهنئة اللاعبين بـ وصولهم إلى اسطنبول. روبي رجل مختلف .. بمجرد أن قدموه لي , بدأ في تشجيعي بـ التوقيع معه. هذا لم يحدث في الحال لكن روبي كان لديه شيئاً ما ليقدمه وحبه لليفر كان واضحاً. في وقت قريب جدا عاد للفريق.

في ذلك الوقت الحفلة انتقلت إلى فندق Sir Thomas في وسط المدينة , بينما أنا غادرت إلى منزلي. كل ما كان يدور في مخيلتي هو إسترجاع الكيفية التي استطعنا من خلالها الوصول لما نريد مع التفكير في الطريقة التي ستوصلنا إلى الهدف. في الوقت الذي عزم فيها اللاعبين و أفراد طاقمي بـ المغادرة إلى منازلهم , بدأت فعلا بـ التفكير في طرفي نصف النهائي ايندهوفن وميلان: كيف يمكننا هزيمتهم , كيف يمكننا إيقاف هجومهم و ما الذي يجب علينا فعله لـ نكون أبطالاً لـ دوري الأبطال للمرة الأولى منذ 1984.

الناس الذين حضروا تلك الحفلة أخبروني بأنني انا الشخص الوحيد الذي يتحدث عن كرة القدم في تلك اللحظات , على الأقل في الوقت الذي اتوقف فيه عن تعلم كيفية ترديد أناشيد الكوب المفضلة. بتلك الصورة كانت وضعيتي لأنه إلى الأن لا يوجد شي حقيقي علينا الإحتفال به .. كنت قلقاً بعض الشي. المدرب لا يمكنه إضاعة أي فرصة لـ التحضير للخصوم القادمين .. لا يمكنه التوقف في حال كانت هنالك فرصة للتعلم. كنت أحاول أن أناقش قوة ميلان و ايندهوفن مع أفراد طاقمي الفني.

حالما يأتي صباح اليوم التالي , سيأتي اللاعبين إلي بأسئلتهم. أنه من المهم جدا , أن تكون لدي إجابات لكل ذلك. علي أن أوضح لهم حقيقة إمتلاكنا لـ خطة تخول لنا هزيمة أي طرف كان في اسطنبول بتاريخ 25 مايو. تلك الليلة ربما تعيدنا أبطالا لـ دوري الأبطال .. ليلة ربما تعيد ليفربول إلى مكانه الطبيعي والذهبي .. ليلة من شانها تعيد لـ النادي مجده المفقود.

تحياتي 
A.Hadi@



















































ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق