الاثنين، 27 أكتوبر 2014

مقطفات من كتاب سواريز

مقدمة


صحيفة الغارديان الإنجليزية خرجت بتقرير حصري فيه مقتطفات من كتاب لويس سواريز الجديد ( تجاوز الحد - قصتي) , جُل الكلام الذي نقلته الغارديان يتمحور حول حادثة العض الشهيرة في المونديال ومسبباتها و مبرراتها هي وغيرها من أحداث أخرى تحدث عنها لويس بـ أسلوبه الخاص. أيضا تحدث عن بعض المضايقات التي واجهها في إنجلترا إبان فترته مع ليفربول وقصته مع الفرنسي باتريس إيفرا.

البداية

عرفت على الفور , بمجرد أن حدث.

لقد خذلت ناسي وأصدقائي , مدربي اوسكار تاباريز " المايسترو" كان يعيش لحظات غاية في السوء عندما كان في غرفة الملابس. لم أكن أستطع حتى النظر في زملائي , ولم أكن أعرف حينها كيف يمكنني الإعتذار منهم. لم أستطع النظر في المايسترو (المدرب). لقد أخبرني بأن الإعلاميين سألوه عن الحادثة , وأنه رد عليهم بأنه لم يرى أي شي. زملائي حاولوا التخفيف عني وأخبروني ان الوضع ربما لا يكون سيئاً , لكنني حينها لم أرغب في الإستماع ولو لـ كلمة واحدة تخص الحادثة. مرت يومين من أطول الأيام قبل أن أضطر إلى مغادرة البرازيل , لكنني ذهبت بعقلي قبل ذلك.

اليوم التالي , تواجدت في التدريب , لا أزال في هذه الدولة الغير واعية لـ الإنكار. بعد نهاية التمرين مباشرة طلبني المايسترو. لديه أخبار: " هذا أسوا أمر يمكن أن أخبر به أحد اللاعبين" . في هذه اللحظات أعتقدت ان العقوبة ستكون إيقاف لـ 10 , 15 أو 20 مباراة لكنه بعد ذلك قال : " 9 مباريات ". انها لا تبدو أسوا مما توقعت , لكنه لم ينهي حديثه بعد: " ولا يمكنك وضع قدمك في اي أستاد , ويجب عليك أن ترحل الآن. لا يمكنك أن تكون قريب من مقر إقامة الفريق".

أرغب في البقاء و دعم زملائي. عاطفياً يُمكنني القول : الفريق قد مات , لقد غرقوا. حتى وانا لن أتمكن من اللعب , كنت أود التعويض عن هذه الأشياء بطرق بسيطة وصغيرة. لكنه تم إخبار مدير المنتخب إدواردو بيلزا بضرورة ترك الفريق في أسرع وقت ممكن. لقد عاملوني أسوأ من معاملة المجرمين. من حقك معاقبة اللاعب , ومن حقك منعه من اللعب لكن هل من حقك منعه من البقاء بجانب زملاءه ودعمهم؟. لم أبكي لسبب وحيد الا وهو أنني كنت واقفا هناك أمام المدرب حينما وصلني الخبر.

لو توقفت العقوبة على إيقافي لـ تسع مباريات مع الأورغواي , لـ تفهمت ذلك. لكن تحرمني من الليفر مع ان عقوبتي في إنجلترا لم تمنعني من اللعب لـ الأورغواي؟ تمنعني من الملاعب الرياضية في جميع انحاء العالم؟ تجبرني على عدم الذهاب إلى العمل؟ و تمنعني حتى من الركض بالقرب من اي محيط رياضي؟. أنا لم استطع تفهم ذلك أبدا حتى المحكمة الدولية قضت بخلاف ذلك. في الحقيقة قوة الفيفا بلغت إلى هذا الحد.


لم يسبق لهم أن عاقبوا لاعب من قبل بـ مثل هذه العقوبة لـ كسره قدم لاعب آخر أو تحطيمه لـ آنف شخص عن طريق ضربه في وجهه ما كما فعل ماورو تاسوتي في لويس انريكه في نهائيات كأس العالم 1994. عملوا ضجة كبيرة جدا والتبرير: الحادثة وقعت أمام اعين العالم أجمع. زين الدين زيدان اعترض ماركو ماتيرازي بـ ضربه في راسه في نهائي كأس العالم 2006.

ربما كنت هدفا سهلا , لكن هنالك حقيقة مهمة جدا علي مواجهتها: أنا من جعلت من نفسي هدفا سهلا لهم. لقد أخطات , كان خطأي. هذه المرة الثالثة التي تتكرر فيها الحادثة , أنا بـ حاجة إلى المساعدة.

بعد عقوبة الإيقاف لـ 10 مباريات في 2013 والتي اتت بعد حادثة العض مع برانسلاف ايفانوفيتش , كنت أتسائل عن المعايير المزدوجة وكيف انه في الواقع من يتأذئ من حادثة معينة لا يؤخذ في عين الإعتبار. الأضرار التي تلحق بـ لاعب معين لا تقارن ابدا مع التحديات الرهيبة التي يعيشها اللاعب الآخر. في الكرة الإنجليزية يفتخرون بـ حصولهم على معدل منخفض في معدل رفع البطاقات الصفراء لكن بـ التأكيد سيخرج الحكام البطاقات عندما تُكسر قدم أحد اللاعبين أو يكرر احد المدافعين ارتكاب الأخطاء. عندما يقولون الدوري الإنجليزي تحدث فيه اقل معدل لـ التدخلات الخطرة التي تهدد مسيرة اللاعبين , حينها يمكنهم الإفتخار بذلك.

أعلم جيدا أن العض يسبب الرعب لدى الناس , لكنه غير مؤذي نسبيا. أو على الأقل الحالات التي كنت طرفا فيها. عندما ركض ايفانوفيتش في الأنفيلد تجاه الحكم و سحب قميصه لـ يُري الحكم آثار العضة لم يكن هنالك شيئا تقريبا. لم تكن هنالك عضة قمت به تشبه مثلا ما فعله مايك تايسون بـ إذن إيفاندر هوليفيلد , أنا هنا لا أقصد ان هذا يعطيني الحق لـ فعل ذلك.

عندما عدت إلى منزلي وشاهدت حادثة العض مع لاعب إيندهوفن عثمان البقال في 2010 على شاشات التلفاز , بكيت. لـ التو أصبحت أباً لـ طفله صغيرة اسمها " دلفينا ". التفكير في أنها سوف تكبر و ترى هذه الصور , أمر يزعجني أكثر من أي شي آخر. عندما رأت زوجتي صوفي الصور , سألتني: " في أي جزء من الارض كنت تفكر؟ ". اضطررت حينها لـ محاولة البدء على هذا السؤال بيني وبين نفسي.

مستوى الإدرينالين في المباراة يكون عاليا جداً , النبض وكأنه في سباق حينها الدماغ لا يمكنه العمل أكثر. الضغط يتزايد وليس هنالك طريقة لـ تفريغه. في 2010 , كنت محبطا لأننا تعادلنا في مباراة مهمة جدا خصوصا أن إنطلاقتنا كانت سيئة. كنت أحاول أن يكون أدائي صحيحا في ذلك اليوم , لكنني شعرت بعد ذلك أنني كل ما فعلته كان خطئاً. بلغ الإحباط والشعور في داخلي لـ مرحلة يصعب علي إحتواءها.

مع إيفانوفيتش في 2013 , كان علينا هزيمة تشيلسي لـ الإبقاء على اي حظوظ متبقية في التأهل إلى دوري الأبطال. كانت المباراة رهيبة جدا علي , أعطيتهم ركلة جزاء غبية خارج ديارهم عندما لمست الكرة بـ اليد وشعرت حينها أن كل شي بدا ينفلت من بين أصابعنا. أشعر بنفسي تضغط على الجرح أكثر.

اللحظات التي سبقت عضة كيلليني , حصلت على فرصة ذهبية لـ وضع منتخبنا في المقدمة 1-0. لو سجلت تلك الفرصة , لو لم يصد بوفون تلك الهجمة .. لما فعلت شيئا البتة لكنني أضعت الفرصة.

عندما يتوقف القلب عن الركض , من السهل العودة إلى الوراء و طرح هذا التساؤل على نفسك: كيف يمكن أن تكون بهذا الغباء؟ . يتبقى 20 دقيقة لكن على أرض الملعب ومع ارتفاع نسبة الإدرينالين وتصاعد التوتر والضغط , لا تعرف حقا كم متبقي من الوقت. لا تعرف شيئا , كل ما كنت أُفكر فيه هو: " أنا لم أُسجل , نحن خارج بطولة كأس العالم " .

هنالك لاعبين في هذا الموقف ربما يقولون: "حسنا .. حتى لو خرجنا , أنت سجلت هدفين في مباراة كبيرة ضد إنجلترا .. أنت نجم". " يمكنني طلب التغيير , ركبتي تؤلمني مرة أخرى وبشكل أكبر .. أنا سجلت هدفين في المباراة الماضية وقدمت أفضل ما أملك " لكنني أردت تحقيق المزيد.

الخوف من الفشل غيًم على كل شي بالنسبة لي , بل الحقيقة بشكل صارخ انه هنالك 20 ألف بـ عيون مزدوجة تنظر إلي. لا تشبه أبدا اي أمر آخر حتى انني لم أكن متواجد. المنطق لا يمكنه قبول ذلك.

على حد سواء , من غير المنطقي أن تُقاس العضة بـ هذه الطريقة. كانت هنالك لحظة في مباراتنا ضد تشيلي 2013 عندما تدخل أحد اللاعبين على ساقي الاثنتين , كانت ردي فعلي أنني لكمته. لم يتم إيقافي بسبب ذلك. هذا يعتبر طبيعي جدا , ردة فعل مقبولة.

عندما اتصلت على ايفانوفيتش بعد حادثة 2013 , أخبرني بأن الشرطة اتوأ لرويته وسؤاله: هل يريد تقديم إتهامات جديدة؟ لكن حمد لله بانه أجابهم بـ النفي. أنا ممتن له لأن السيرك سيطول كثيرا. أخطأت على شخص ما ونسيت ذلك , ولم يكن هناك سيرك مطول .. لذلك لماذا اتخذ الطريق الذي أُدمر فيه ذاتي؟.

 المشكلة أن هذه التصرفات تحدث حتى وأنا أُقدم مستويات رائعة على ارض الملعب ,بالتأكيد أنا لا أود أن أخسر ذلك. سجلت الاهداف وكافحت لاحقا حتى أفهم بالضبط كيف استطعت تسجيلها. هنالك أمر ما حول طريقة لعبي التي أفقد فيها وعيي أحيانا سواء لـ الأفضل أو الأسوأ. أود التنفيس عن الضعط و التوتر لكنني لا أود فقدان العفوية في لعبي ناهيك عن شدة اسلوبي في اللعب.

ليفربول أرسل إلي أخصائي في الطب النفسي الرياضي لرؤيتي في برشلونة بعد حادثة عض إيفانوفيتش وتحدثنا لـ ساعتين عن ما يدور في راسي في ذلك الوقت. أخبرني بضرورة رؤيتي مرة أخرى لكنني قاومت. جزء من هذا العلاج يجعلني أكثر هدوءاً على أرضية الملعب. ماذا لو تجاوزتني الكرة في المرة القادمة؟ هل اترك اللاعب يذهب دون مطاردة؟. أنا لاعب بإمكانه قتل نفسه في الدقيقة 90 لـ منع رمية تماس .

 إلى حدٍ ما , من الطبيعي أن يكون المهاجم عصبي وعلى حافة الهاوية. 90 دقيقة فوق أرض الملعب , حياة مزعجة. أغضب عندما يدفعني مدافع من الخلف , وأغضب عندما أضيع الفرص. إذا كانت لمساتي الأولى في أول المباراة غير موفقة , أنظر لنفسي وأسالها: "ما الذي يحدث معك اليوم؟ ". وأعلم انه إذا تشابك معي لاعب لـ المرة الأولى سوف يكون هنالك خطر , سوف تكون لي ردة فعل.

المدافعين يعلمون ذلك أيضا. في البريميرليغ حينما العب ضد مدافع مثل فيليب سيندروس في فولهام عندما كان مارتن يول مدربهم .. أعرف ما هي التدريبات. في الدقيقة الخامسة من بداية المباراة , سيندروس يدعس على كاحلي من الخلف بعد ذهاب الكرة و ربما قال: " اوه ,, انا متاسف".
انا فقط فكرت: " نعم .. يول أخبرك ماذا أكون وطلب منك أن تفعل ذلك".

يبدو غريبا أن أقول ذلك بعد ثلاث حوادث لكنني تحسنت و أصبحت أكثرُ هدوءاً. عندما كنت طفلا , تم طردي بسبب ضربي لـ الحكم بالرأس: ركضت 50 متر و جادلته في القرار , أظهر لي الكرت الأحمر ثم ضربته بالرأس. أنا حقا لستُ فخوراً بذلك.  

 لم أرغب في الحديث مع أي أحد بعد حادثة كيلليني على الرغم من عودتي إلى مونتيفيديو مع معنويات في الأسفل , إكتئاب وعدم الرغبة في إستيعاب ما حدث. كنتُ أشاهد التلفزيون عندما خرج المدرب تاباريز إلى المؤتمر وقدم دعمه لي عن طريق تقديم إستقالته من منصبه في اللجنة الإستراتيجية في الفيفا. منذ مباراة إيطاليا شعرت بـ الإكتئاب. كنت في صدمة , خدر وحزن يتملكني. انهملت الدموع على وجهي وأنا أشاهده يتحدث. لم أكن قادراً على إستيعاب ما يقوم به من أجلي ,  رؤية مدى حبه لي , معرفة ما يحدث , ما هي عواقب ما فعلته .. كان شيئا يدمر الروح.

ذهبنا أنا و صوفي بعيدا إلى ريف المدينة لـ الحديث عن كل شي , وأنا أخيرا قد قبلت ما يلزم القيام به. صوفي كانت منزعجة لأنها لم تكن أكثر ثباتا معي من قبل. قالت لي: " إذا الأن سوف تستمع لي؟ ". هذه المرة شعرت أنه لا يوجد بديل وأخذت المبادرة.

بحثت جيدا حتى وجدت الأشخاص المناسبين. لو كنت حينها في ليفربول لربما عدت
 أدراجي للحديث مع الناس هناك , أو لو كنت مستقرا في برشلونه لـ بحثت داخل النادي لكنني كنت تقريبا بين الناديين لذلك خرجت بنفسي و وجدت الناس المناسبين الذين بإمكانهم تقديم المساعدة لي. لا زلت أشعر انه أمر شخصي لكنني في الحقيقة شعرتُ بأنهم ساعدوني في الفهم من دون أن أُعقد الأمور وأنني يجب أن لا أشعر بوزن ضخم إضافي أو مسؤولية كبرى بسبب هذه الحادثة عندما أكون فوق أرضية الملعب.

كنت قد تعلمت كيف اتعامل وأتطور مع كمية الضغوط المتزايدة. دوما أُفضل أن أُبقي على هذه الأمور في داخلي على أن أُشاركها مع آي شخص آخر. لكن تعلمت أنه إذا دعيت الشي يذهب ستشعر أنك أفضل. لا تحفظ كل شي داخل العلبة , لا تأخذ كل شي على حدا.


قصة السلام الشهيرة مع إيفرا


الكل شاهد يدي بقيت ممدوة بنفس المستوى لكن عندما لاحظت خفض إيفرا لـ يده , قلت لـ نفسي: " حسنا .. يبدو أنه لن يصافحني ". و مررت في المشي بجانب الخط. بمجرد أن تجاوزته , بدأ سحب قميصي وإتهامي بـ عدم السلام عليه. وفي نفس الوقت ينظر نحو السير اليكس فيرغسون لـ يرى هل الـ بابا يشاهد ما حدث؟. إذا كانت تلك مصيدة , فقد وقعت في فخها. 


تحياتي
عبدالهادي
@AHADI4

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق